وإن كان يقتضي مقارنة المراد تارة وعدم مقارنته أخرى لم يكن وحده كافيًا في تحقيق المراد، فلا يجوز أن يقارنه المراد إلا إذا وجد غيره، فهذا الاختيار القديم إن جوّزوا أن يكون العالم معه لزمهم قدم الحوادث، وإن لم يجوزوا كونها معه لزم حدوث العالم.
وقيل لهم ثانيًا: إن كان هذا السؤال صحيحًا بطلت حجتهم؛ فإنهم إذا جوّزوا أن يكون فاعلًا بمشيئته وأن يتأخر عنه مفعوله بطلت حجتهم في قدم العالم، بل هذا هو الذي يقوله من يقوله من المتكلمين من المعتزلة والكلابية والأشعرية وغيرهم، ممن يقول: إنه فاعل بمشيئته، وأنه لا تحله الحوادث، بل يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا من غير حادث يحدث، لا فيه ولا منه.
وقد وافقهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، ومنهم من أصحاب أحمد: أبو الحسن التميمي [1] وأهل بيته، والقاضي أبو يعلى [2] وأتباعه كابن عقيل [3] وابن الزاغوني [4] وغيرهما.
وهذا المقام اضطرب فيه بنو آدم؛ فإن بني آدم شهدوا حوادث تحدث، وعلموا أنه لا بد من موجود قديم. فإن المحدَث لا يحدث بنفسه.
(1) عبد العزيز بن الحارث بن أسد، صحب الخرقي وغلام الخلال. وكان له أولاد: أبو الفضل، وأبو الفرج، وغيرهما. (ت 371 هـ) . طبقات الحنابلة (3/ 246 - 248) . المقصد الأرشد (2/ 127) .
(2) (ت 458 هـ) .
(3) (ت 513 هـ) .
(4) علي بن عبيد الله بن نصر بن السري الزاغوني الحنبلي، صاحب (الواضح) و (الإقناع) ، (ت 527 هـ) . الذيل على طبقات الحنابلة (1/ 401 - 410) . المقصد الأرشد (2/ 232 - 233) .