ويلزم على هذا: أن تكون الأعراض بمنزلة الأجسام المستقلة بالأعراض التي يحل فيها من حال إلى حال. وهذا أمحل من الأول.
فإن قال قائل: إن الحركة الأولى اقتضت حركات الأشياء رجع الكلام إلى الحركة الأولى وهل هي قديمة أم حادثة؟
فإن كانت قديمة؛ فلتكن الأشياء متحركة أبدًا حتى لا يوجد سكون؛ ويلزم أن لا تختلف الأعراض؛ فلا يقوم القاعد، ولا يقعد القائم، بل يكون الوجود كله على حركة واحدة تابعة للأصل؛ لأن الحركة الأولى غير مختارة ولا مميزة شيئًا عن شيء. وهذا أقبح من الكل.
وإن قال: إنها محدثة؛ فقد سلّم المسألة.
فتبيّن: أن الذي ختلوا به - من أنه (لا يكون شيء إلا من شيء) - من أمحل المحالات، بل لو عُكس الكلام وقيل: إنه (لا يكون شيء من شيء) لكان الأليق الذي يطّرد ويقوم عليه الدليل.
وذلك أن الصائغ إذا صاغ خاتمًا من فضة؛ فإنه ليس يفعل جوهره؛ لأن الجوهر قد كان موجودًا، وإنما يفعل الصياغة التي هي تأليف ذلك الجوهر وهيْأَتَه التي حدثت فيه.
وهذان لم يكونا من شيء؛ لأن الذي تجدد على الفضة من التشكيل أمر عرضي كان بعد أن لم يكن، ويجوز أن يغير بتشكيل آخر.
والجواهر لا تنقلب أعراضًا، ولم يذهب إلى ذلك أحد.
ولا يصح في شيء من الأعراض أن ينقلب عرضًا آخر؛ فيخرج من جنسه منتقلًا إلى جنس آخر.
وإذا كان ذلك كذلك: ثبت أن تلك الصياغة حدثت عن عدم، ولم تكن من شيء البتة. وهذا بحمد الله واضح.