وإذا قلتم: من شأن الإرادة أن تخصص مثلًا عن مثل؛ أمكنهم أن يقولوا: من شأن الإرادة أن تحدث بلا إرادة.
وليست دعوى فساد قولكم مخصوصًا بها معشر الفلاسفة؛ بل أكثر أهل الملل يقولون: إن قولكم هذا معلوم الفساد بالضرورة. فنفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم يوافقونا على ما ادّعيناه من فساد قولكم، ومثبتة / [1] الصفات الذين يصفونه بقيام الأمور الحادثة بذاته يوافقونا على ما ادّعيناه من فساد قولكم.
وإن كان هؤلاء وغيرهم يوافقونكم على فساد قولنا في صور الإلزام؛ فهب: أن ما قالوه في فساد قولنا هناك حقًا؛ أي شيء ينفعكم هذا؟ ونحن إذا أخطأنا في تلك المسائل؛ أي دليل في هذا على صواب قولكم الذي يقول فيه جمهور العقلاء: أنّهم مخالفون فيه لضرورة العقل؟
وأما قولكم: إن هذا القول يقوله طوائف لا يحصرون.
فيقال لكم: أما جمهور المنتسبين إلى هذا القول فلا يفهمونه؛ لست أقول عامتهم، بل الذين هم منهم فقهاء وصوفية ومحدِّثون، وأكثر المتعاطين للنظر لا يفهمون حقيقة هذا القول، والذين يفهمونه ليسوا عددًا كثيرًا، بل عدد محصور تناقله بعضهم عن بعض؛ كما تناقل سائر أهل الأديان والمذاهب الفاسدة مذاهبهم بعضهم عن بعض تقليدًا لسلفهم في الحكم، وفيما ادعوه من الدليل والضرورة.
ومثل هؤلاء لا يمتنع عليهم الخطأ في مثل ذلك؛ وأن يكون أولهم كان مكابرًا أو مقصّرًا في تصور ما يقوله، وأتباعه لحسن ظنهم بالمتبوع، ولبطلان أقوال مخالفيهم عندهم التزموا هذا القول، كما التزمت المعتزلة حدوث الإرادة لا في محل، وكما التزمنا معشر الفلاسفة أمورًا هي أعظم فسادًا من قولكم وقول المعتزلة، وقلد فيها خلفنا لسلفنا.
(1) نهاية 13/ أ.