فهرس الكتاب
مشكلتنا عدم الثقة في كلام الله، الله سبحانه وتعالى هو وحده القادر على العطاء، هو وحده القادر على المنع، هو الذي يعطي، وهو الذي يمنع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو القابض، وهو الباسط، وهو بيده رزق كل شيء: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود:6] فلماذا لا نرجع إليه؟! ولماذا لم نصطلح مع الله تبارك وتعالى؟! أتذكر مشهدًا في غاية الروعة والجمال، هذا هو سيدنا عمران بن حصين رضوان الله عليه، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثًا من قريش، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعله يستطيع أن يقنع النبي أن يرجع عن دينه ويرجع إلى دين آبائه، فقال له عمران: [يا محمد! إنك فينا حيث قد علمت، صادقًا أمينًا متزنًا رزينًا، فهلا هادنت قومك وتركت سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم] .
فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟! قال له: (يا عمران! من تعبد؟ -ما هي آلهتك؟ - فقال عمران بن حصين: أعبد سبعةً من الآلهة، إلهٌ في السماء وستةٌ في الأرض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأي إله تطلب لحاجتك يا عمران؟! -أي إن كنت في ضيق ٍوحاجة، تطلب من آلهة الأرض أم من إله السماء؟ - قال: بل من إله السماء، قال رسول الله: فإذا كنت في مرض فممن تطلب؟ قال: من إله السماء، قال: فإذا كنت في شدة فممن تطلب؟ قال: من إله السماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما دام إله السماء يعطيك ويكفيك ويرضيك فلمَ لا تقل لا إله إلا الله؟!) فلمَ تشرك معه غيره؟ فما لبث عمران إلا أن يذعن لهذه الحجة القوية، ولهذا البرهان الواضح الساطع ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
أيها الأحباب! لو عدنا إلى الله فإن الله صاحب العطاء! لو عدنا إلى الله فإن الله صاحب الرزق، لو عدنا إلى الله فإن الله عنده الكثير، استمعوا إلى الله جل وعلا وهو يقول في الحديث القدسي الجليل: (يا ابن آدم! لا تخشى من ذي سلطانٍ ما دام سلطاني باقٍ، وسلطاني لا ينفذ أبدًا، يا ابن آدم! لا تخشى من ضيق الرزق فخزائني مملوءة وخزائني لا تنفذ أبدًا، يا ابن آدم! لا تطلب غيري وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني وإن فتني فتك، وإن فتك فقد فاتك الخير كله، يا ابن آدم! إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وصرت عندي محمودًا، وإن لم ترض بما قسمته لك، فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يصيبك إلا ما قسمته لك، وصرت عندي مذمومًا، يا ابن آدم! أنا لا أنسى من عصاني فكيف أنسى من أتى إلي تائبًا؟ فوعزتي وجلالي لو أتيتني نهارًا قبلتك، ولو أتيتني ليلًا قبلتك، ولو تقربتَ مني شبرًا تقربتُ منك ذراعًا، ولو تقربت مني ذراعًا تقربت منك باعًا، ولو أتيتني تمشي أتيتك مهرولًا، فمن أعظم مني جودًا وأنا الجواد الكريم) .
أيها الأحباب! لا مفر ولا مناط: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم:57 - 58] أقسم بالله العظيم، أنه لن تكشف هذه الغموم، ولن تحل هذه المشاكل، ولن ترفع هذه الأزمات، إلا إذا اصطلحنا مع الله، وإلا إذا عدنا إلى الله، وإلا إذا رفعنا هذه الحرب عن منهج الله وعن شرع الله جل وعلا، وهأنتم مخيرون إن أردتم أن تخرجوا فاخرجوا، وإن أردتم أن تظلوا فيه هذا الهم والغم والضيق، وإن أردتم الكثير والكثير من الله، فالله عنده الكثير: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] .
عيشةٌ كلها خراب، وعيشةٌ كلها قحط، وعيشةٌ كلها ضيق لمن أعرض عن منهج الله، ولمن أعرض عن ذكر الله، ولمن أعرض عن شرع الله، ولمن أعلن الحرب على الله جل وعلا.
نعم.
يقول ربنا في الحديث القدسي الصحيح (يا عباد! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد، وسألوني لأعطيتُ كل واحدٍ مسألته من غير أن ينقص من ملكي شيئًا، إلا كما ينقص المخيط إذا دخل في البحر ثم خرج) الإبرة!! إبرة المخيط، لو أنزلتها البحر وأخرجتها أي مقدار نقص من البحر؟ لا شيء، فلو أن الخلق الإنس والجن جميع العباد وقفوا في وقتٍ واحد وسألوا الله لأعطاهم مسائلهم من غير أن ينقص ذلك من ملك الله شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى يملك خزائن السماوات والأرض أسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:18] يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البر لا يبلى والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، افعل ما شئت كما تدين تدان) وهو القائل أيضًا: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.