فهرس الكتاب
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَطَّلِعَ بِذَلِكَ عَلَى عَجَائِبِ الْأُمُورِ، وَتَقَلُّبَاتِ الزَّمَنِ، وَتَصَارِيفِ الْقَدَرِ، وَسَمَاعِ الْأَخْبَارِ.
قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ لِرَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ كَبِرَ حَتَّى ذَهَبَتْ مِنْهُ لَذَّةُ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالنِّكَاحِ:"أَتُحِبُّ أَنْ تَمُوتَ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَمَا بَقِيَ مِنْ لَذَّتِكَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: أَسْمَعُ الْعَجَائِبَ" (1) .
وَقَالَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ"شُذُورُ الْعُقُودِ فِي تَارِيخِ الْعُهُودِ" (2) الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْهُ:"إِنَّ التَّوَارِيخَ وَذِكْرَ السِّيَرِ رَاحَةُ الْقَلْبِ، وَجَلَاءُ الْهَمِّ، وَتَنْبِيهُ الْعَقْلِ، فَإِنَّهُ إِنْ ذُكِرَتْ عَجَائِبُ الْمَخْلُوقَاتِ دَلَّتْ عَلَى عَظَمَةِ الصَّانِعِ، وَإِنْ شُرِحَتْ سِيرَةُ حَازِمٍ عَلَّمَتْ حُسْنَ التَّدْبِيرِ، وَإِنْ قُصَّتْ قِصَّةُ مُفَرِّطٍ خَوَّفَتْ مِنْ إِهْمَالِ الْحَزْمِ، وَإِنْ وُصِفَتْ أَحْوَالٌ ظَرِيفَةٌ (3) أَوْجَبَتِ التَّعَجُّبَ مِنَ الْأَقْدَارِ، وَالتَّنَزُّهَ فِيمَا يُشْبِهُ الْأَسْمَارَ".
وَقَالَ العِمَادُ (مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ) (4) الْأَصْبَهَانِيُّ الشَّافِعِيُّ الْكَاتِبُ فِي"الْفَتْحُ الْقُدْسِيُّ" (5) عَلَى يَدِ الصَّلَاحِ أَبِي المُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، الَّذِي ابْتَدَأَهُ بِسَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ: وَقَالَ:
"إِنَّ عَادَةَ التَّوَارِيخ الِابْتِدَاءُ بِبَدْءِ الْخَلْقِ، أَوْ بِدَوْلَةٍ مِنَ الدُّوَلِ، فَلَيْسَتْ أُمَّةٌ أَوْ دَوْلَةٌ إِلَّا وَلَهَا تَارِيخٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ، يَنْقُلُهُ خَلَفُهَا عَنْ سَلَفِهَا، وَحَاضِرُهَا عَنْ غَابِرِهَا تُقَيَّدُ بِهِ شَوَارِدُ الْأَيَّامِ، وتُنْصَبُ بِهِ مَعَالِمُ الْأَعْلَامِ؛"
(1) انظر: الزجاجي، الأمالي، ص 21.
(2) انظر: ص 33 - 34.
(3) في باقي النسخ: ظريف، وهو تحريف.
(4) في ق، ز: ابن محمد بن حامد.
(5) انظر: ص 43.