ثُمَ قَالَ التَّاجُ:
"إِنَّ مَنْ يَرْتَكِبُ مَا تَقَدَّمَ كَمَنْ يُذْكَرُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَخْصٌ فَيَقُولُ: دَعُونَا مِنْهُ (أَوْ) (2) إِنَّهُ عَجِيبٌ، أَوْ اللهُ يُصْلِحُهُ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَبْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ الْغِيبَةِ".
قَالَ:"وَكَذَلِكَ مَا أَحْسَنَ قَوْلَهُ: وَأَلَّا يَغْلِبَهُ الهَوَى؛ فَإِنَّ الْهَوَى غَلَّابٌ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ، وَلَكِنْ قَدْ لَا يَتَجَرَّدُ عَنِ الْهَوَى بِأَنْ (3) لَا يَظُنَّهُ هَوًى، بَلْ يَظُنَّهُ لِجَهْلِهِ (4) أَوْ بِدْعَتِهِ حَقًّا، فَلَا يَتَطَلَّبُ حِينَئِذٍ مَا يَقْهَرُ بِهِ هَوَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقِرَّ فِي ذِهْنِهِ أَنَّهُ مُحِقٌّ، وَهَذَا كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَخَالِفِينَ فِي الْعَقَائِدِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مُخَالِفٍ فِي الْعَقِيدَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَقَدْ رَوَى شَيْئًا مَضْبُوطًا عَايَنَهُ أَوْ حَقَّقَهُ."
فَقَوْلُنَا: مَضْبُوطًا؛ احْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ رِوَايَةِ مَا لَا يَضْبِطُ مِنَ التُرَّهَاتِ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عِنْدَ (5) التَّأَمُّلِ وَالتَّحَقُّقِ شَيْءٌ.
وَقَوْلُنَا: عَايَنَهُ أَوْ حَقَّقَهُ؛ لِيَخْرُجَ مَا يَرْوِيهِ عَمَّنْ غَلَا أَوْ رَخَّصَ تَرْوِيجًا لِعَقِيدَتِهِ.
وَمَا أَحْسَنَ اشْتِرَاطَهُ الْعِلْمَ وَمَعْرِفَةَ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ، فَلَقَدْ وَقَعَ كَثِيرُونَ فِيمَا لَا يَقْتَضِي جَرْحًا لِجَهْلِهِمْ، بَلْ فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْجَرْحُ لِأَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ
(1) في هامش ب.
(2) في أ: و، والمثبت من باقي النسخ.
(3) في باقي النسخ: بأنه.
(4) في ب: كجهلة.
(5) في أ: عن، والتصويب من باقي النسخ.