الداعية إلى اللَّه فسببه الإخلال بالحكمة وأركانها، فأكمل الناس أوفرهم منها نصيبًا، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلّهم منها ميراثًا، ومعاول هدم الحكمة: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهل، وطائش، ولا عجول [1] .
ومما يُؤكِّد أن الحلم من أعظم مقومات الداعية ومن أركان الحكمة التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى اللَّه - تعالى - مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - للحلم، وتعظيمه لأمره، وأنه من الخصال التي يحبها اللَّه - عز وجل -، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأشجِّ [2] : (( إن فيك خصلتين يحبِّهما اللَّه: الحلم والأناة ) ) [3] .
وفي رواية قال الأشجّ: يا رسول اللَّه، أنا تخلَّقت بهما أم اللَّه جبلني عليهما؟ قال: (( بل اللَّه جبلك عليهما ) )، قال: الحمد للَّه الذي جبلني على خُلُقيْن يحبهما اللَّه ورسوله [4] .
وسبب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك للأشجّ ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرّبه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: (( تبايعونِ على أنفسكم وقومكم ) )فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول اللَّه،
(1) انظر: مدارج السالكين، 2/ 480.
(2) المنذر بن عائذ بن المنذر العصري، أشج عبد القيس، كان سيد قومه، رجع بعد إسلامه إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة بعد ذلك ومات بها - رضي الله عنه -. انظر: تهذيب التهذيب،
(3) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله، برقم 25.
(4) أبو داود، في الأدب، باب في قبلة الجسد، برقم 5227، وأحمد، 4/ 206، 3/ 23.