الجمل؟» فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول اللَّه، فقال: «أفلا تتقي اللَّه في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ اللَّه إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ» [1] . [2]
وهذه نماذج يسيرة من أنواع رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأعدائه، وأحبابه، والمسلم، والكافر، والذكر والأنثى، والصغير، والكبير، والإنس، والحيوان، والطير، والنمل، وغير ذلك كثير لا يحصر في مثل هذا المقام. فصلوات اللَّه وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.
لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية اللَّه تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ [3] .
ومن الحالات التي بكى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يأتي:
1 -بكاؤه - صلى الله عليه وسلم - من خشية اللَّه في صلاة الليل، فقال بلال: يا رسول اللَّه لِمَ تبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليّ الليلة آية ويل لمن قرأها
(1) تُدْئِبُهُ: بضم التاء ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وباء موحدة: أي تتعبه بكثرة العمل. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/ 157] .
(2) أحمد، 1/ 205، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ، برقم 2549، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/ 110.
(3) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/ 183.