فرس أو بِرْذَونٍ وهو يقول: اللَّه أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية - رضي الله عنه - فسأله، فقال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية [1] . وهذا كلُّه يدلُّ على أن الهدف والمراد من الجهاد هو إعلاء كلمة اللَّه - عز وجل -.
ومن الأمثلة العظيمة على هذه الرحمة التي شملت حتى أعدائه - صلى الله عليه وسلم - قصّته مع مَلَك الجبال حينما بعثه اللَّه إليه؛ ليأمره بما شاء عندما آذاه المشركون، فجاء ملك الجبال وسلَّم عليه وقال: (يا محمد إن اللَّه قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت [2] ؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) [والأخشبان جبلان عظيمان في مكة، تقع مكة بينهما] ، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لملك الجبال: «بل أرجو أن يخرج اللهُ من أصلابهم من يعبُد اللَّه وحده لا يُشرك به شيئًا» [3] .
المثال الرابع: سلامة قلبه - صلى الله عليه وسلم -، وحُبّه الخير لليهود وغيرهم:
ومن الأمثلة العظيمة لرحمته - صلى الله عليه وسلم - حديث أنس - رضي الله عنه - قال: (كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فمرض فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده فقعد عند رأسه
(1) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه 3/ 83 (رقم 2759) ، وانظر: صحيح سنن أبي داود 2/ 528، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الغدر (رقم 1580) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2) استفهام، أي فمرني بما شئت، انظر: فتح الباري، 6/ 316.
(3) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين، برقم 3231، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين والمنافقين، برقم 1795.