ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر [1] ، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل [2] ، والرابع إما علقمة [3] وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء ) )قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمِّر الإزار، فقال: يا رسول اللَّه! اتّقِ اللَّه، قال: (( ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي اللَّه ) )، قال: ثم ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول اللَّه! ألا أضرب عنقه؟ قال: (( لا، لعله أن يكون يصلي ) )، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: (( إني لم أُومر أن أنقِّب قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم ) )، قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍّ فقال: (( إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب اللَّه رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ) [4] .
وهذا من ظواهر حلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخذ بالظاهر، ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل
(1) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة، نسب لجده الأعلى. الفتح، 8/ 68.
(2) زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد الخير، بالراء بدل اللام. انظر: فتح الباري، 8/ 68.
(3) ابن علاثة العامري، أسلم وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران، فمات بها في خلافته. انظر: فتح الباري، 8/ 68.
(4) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث على بن أبي طالب، وخالد بن الوليد رضي الله عنهما إلى اليمن، برقم 3166، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم 1064.