جنكيز خان من حديثه أمرهم أن يخرجوا كنوزهم المدفونة وألا يبالوا بما ليس مدفونًا لأنه يستطيع أن يعثر عليه، وقد ترك جنكيز خان كل رجل من هؤلاء الأغنياء في حراسة رجل مغولي على أنه وجد أن هناك أربعمائة فارس خوارزمي لم يخرجوا من المدينة مع سائر رجال الحامية فأرغمهم على الالتجاء إلى القلعة، وقد جند المغول من سكان المدينة من يقدر على حمل السلاح وساروا إلى القلعة وحاصروها وبعد أن أحدثوا في حوائطها عدة ثغرات دخلوها، وحينئذ لم يتركوا فيها شخصًا واحدًا على قيد الحياة، على أن هذه الحامية الصغيرة دافعت عن نفسها بكل شجاعة أحد عشرة يومًا، وقتلت عددًا كبيرًا من المغول، كما قتلت عددًا كبيرًا من السكان الذين استخدموا في الحصار [1] . ويظهر أن جنكيز خان ركب رأسه عندما سقط عدد كبير من المغول ضحايا في ساحة القتال، فأمر جميع السكان أن يخرجوا من المدينة مجردين من أموالهم، لا يحمل أحدًا منهم غير ملابسه التي يرتديها ثم دخل المغول المدينة فأعملوا فيها النهب وقتلوا من صادفهم من السكان [2] ، ووصف ابن الأثير ما فعله المغول في بخارى فقال: ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه وأحاط جنكيز خان بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتسموهم، فاقتسموهم، فكان يومًا عظيمًا من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان، وتفرقوا أيدي سبأ، وتمزقوا كل ممزق، واقتسموا النساء أيضًا، وأصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس [3] . وأما ابن كثير فقد قال: فقتلوا من أهلها خلقًا لا يعلمهم إلا الله ـ عز وجل ـ وأسروا الذرية، والنساء، وفعلوا مع النساء الفواحش في حضرة أهلهن، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل، ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب وكثر البكاء والضجيج بالبلد [4] .
ومما هو جدير بالذكر أن المغول أشعلوا النار في المدينة فاحترقت بأسرها، إذ أن معظم مبانيها كانت من الخشب، ولم يبق من مباني المدينة إلا تلك المبنية من الآجر، وأخيرًا نزح من بقي من أهلها إلى إقليم خراسان، وهكذا شرد المغول أهالي مدينة بخارى الذين اشتهروا بولعهم بالعلوم والفنون، ومما هو جدير بالذكر أن أحد سكان هذه المدينة لما وصل إلى إقليم خراسان أجمل ما أحدثه المغول في مدينته في هذه العبارة القصيرة التي عبر فيها تعبيرًا صادقًا عما حدث: (( أتوا
(1) المصدر نفسه صـ145.
(2) المصدر نفسه صـ145
(3) الكامل (9 ـ 333) ، عودة الروح صـ200.
(4) البداية والنهاية (17 ـ 80) .