فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 224

واليهود في هذه الحقبة من الزمن لم يكونوا شحسحين بنشر ديانتهم وتعميمها كما يزعم كثير من المؤرخين الذين نقلنا اقوالهم فيما سبق ذكره، ولكنهم كانوا حريصين على اعتناق العرب لها، وتدينهم بها، لأنهم كانوا يشعرون بالغربة وهم يقيمون بين العرب، وبالوحشة وهم يسكنون بعيدًا عن ديارهم، فأرادوا أن يعوضوا عن ذلك بإدخال العرب في ديانتهم حتى يجدوا فيهم أهلًا يأنسون بقربهم، وفي ديارهم وطنًا يطمئنون فيه على أملاكهم.

ونحن بهذا لا ننفي مطلقًا شح اليهود بديانتهم على غيرهم، فهذه هي الصفة الصيلة فيهم، ولكنهم أباحوا لأنفسهم ذلك تحت ضغط الحاجة الملحة والحرص على الأمن والاستقرار في تلك البقاع التي يسيطر عليها غيرهم من البشر.

والدليل على أنهم كانوا يعملون على نشر اليهودية ما رواه المؤرخون من خروج حبرين من أحبار اليهود في المدينة إلى تبع عندما عزم على تخريب المدينة واستئصال أهلها، وقطع نخلها، خرج إليه الحبران، وكانا كما يقول ابن هشام، عالمين راسخين في العلم، فحذراه مغبة ما يريد، ونصحاه بالعدول عنه، فرأى أن لهما علمًا، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة وتبعهما على دينهما.

وعمل تبع بدوره ومعه الحبران على إقناع أهل اليمن بالعدول عن عبادة الأوثان والدخول في اليهودية وتحاكموا إلى النار فظهر الحق مع الحبرين وتبع، فدخل أهل اليمن في اليهودية، يقول ابن هشام:

(فأصفقت عند ذلك حمير على دينه - أي دين تبع - فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن) (1) .

ونحن نلاحظ هنا أن الحبرين قد رضيا بدخول تبع في اليهودية، وسارا معه لينصراه، ويؤيداه، وقد فعلا ذلك عندما طلب أهل اليمن المحاكمة إلى النار ليظهر الحق فيتبعوه.

(1) ابن هشام (1/ 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت