المطلب الأول
الغاية التي ينتهي إليها التخصيص
اختلف الأصوليون في الغاية التي ينتهي إليها تخصيص العام [1] ، على عدة أقوال:
القول الأول: لا بد من بقاء جمع كثير بعد التخصيص، وبه قال بعض الحنفية [2] ، وكثير من الشافعية [3] ، وهو قول أبي الحسين البصري [4] .
واستدلوا على قولهم: بأن بقاء جمع كثير بعد التخصيص، يعد مقبولًا ومطابقًا لوضع اللغة، على عكس ما لو كان بعد التخصيص جمع قليل، فإن ذلك يعد مستقبحًا عند أهل اللغة، فمن قال: قتلت كل من في البلد، وأكلت كل رمانة في الدار، وكان فيها تقدير ألف رمانة، وكان قد قتل شخصًا واحدًا أو ثلاثة، وأكل رمانة واحدة، أو ثلاث رمانات، فإن كلامه يعد مستقبحًا مستهجنًا عند أهل اللغة وأما إذا حمل على الكثرة القريبة بين مدلول اللفظ، فإنه يعد موافقًا ومطابقًا لوضع اللغة. [5]
وأجيب بأن للقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنًا منه إذا كان مريدًا للواحد من جنس ذلك العدد الذي هو مدلول اللفظ، وقد اقترن به قرينة، أو إذا لم يكن؟؟ وجوابه: الأول ممنوع، والثاني: الجواز، والدليل على ذلك من وجهين: الأول: النص، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم} [6] .
(1) وخلافهم هذا بناء على خلافهم في: أ- أقل الجمع، ب- اشتراط الاستيعاب أو الاجتماع في العموم، ينظر: ميزان الأصول: 1/ 439 - 440؛ البحر المحيط: 3/ 258.
(2) قال ابن الهمام: هو قول الأكثر، تيسير التحرير: 1/ 326.
(3) قال الآمدي: وإليه ميل إمام الحرمين وأكثر أصحابنا: الأحكام: 2/ 488. وبه قال الرازي، المحصول: 1/ 399؛ والغزالي، المستصفى: 2/ 56؛ والبيضاوي، الإبهاج: 2/ 124.
(4) المعتمد: 1/ 253.
(5) ينظر: أصول الأحكام للآمدي: 2/ 489 - 490؛ التمهيد في أصول الفقه: 2/ 135.
(6) آل عمران: من الآية 173.