فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 342

القول الراحج:

يبدو أن الرأي الراجح هو وما ذهب إليه أصحاب القول الأول لقوة ما استدلوا به، وللشروط التي وضعوها للأخذ بمفهوم المخالفة ومنه مفهوم الصفة، قال الشوكاني: (وقد طول أهل الأصول الكلام على استدلال هولاء المختلفين لما قالوا به، وليس في ذلك حجة واضحة لأن المبحث لغوي، واستعمال أهل اللغة والشرع لمفهوم الصفة وعملهم به معلوم لكل من له علم بذلك) . [1]

ثمرة الخلاف:

من فوائد الخلاف في المسألة السابقة ما لو قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، فإنه لا يثبت للأغنياء عند من قال بمفهوم الصفة، ومن فوائده أيضًا رأي فقهاء المالكية: على أن البكر تجبر على النكاح بعد البلوغ بقوله - صلى الله عليه وسلم: (( الثيب أحق بنفسها من وليها ... ) ) [2] فمفهومه أن غير الثيب لا تكون أحق بنفسها فيكون وليها أحق منها فله بعد ذلك إجبارها. [3]

المطلب الثالث

مفهوم العدد

هو تعليق الحكم بعدد مخصوص، فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدًا كان أو ناقصًا. [4] وذلك مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إذ ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا ) ) [5] فهذا الحديث يدل بمفهومه على اتفاء الغسل بأكثر أو أقل من سبع مرات.

وقد اختلف العلماء في الأخذ به على ثلاثة أقوال:

القول الأول: إذا علق الحكم بعدد معين دلَّ على أن ما عداه بخلافه ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك وبه قال الإمام مالك وأصحابه. [6] والإمام الشافعي وأكثر أصحابه [7] ، ونص عليه الإمام أحمد وأكثر الحنابلة [8] . وبه قال أبو بكر الرازي من الحنفية والشوكاني [9] ونسب إلى دواد الظاهري [10] .

واستدلوا على قولهم بما يأتي:

أولًا: لما نزل قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [11] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( قد خيرني ربي فوالله لأزيدن على السبعين ) ) [12] وجه الدلالة من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقل أن ما بعد السبعين يخالف ما قبل السبعين. [13]

وقد اعترض على هذا الدليل من عدة وجوه: الأول: إن الكافر لا يغفر له بدليل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} [14] فغير جائز أن يخالفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك باستغفاره للمشركين.

وأجيب عليه: بأن استغفار النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبل تسميتهم كفارًا، وقيل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} ومغفرة الله سبحانه وتعالى لا يحليها العقل فلهذا قال ذلك. [15]

الثاني: إنما ذكر الله سبحانه السبعين على عادة العرب في مبالغتها مثل قول القائل: لا أفعل ذلك ولو سألتني سبعين مرة - اي أنه لا يفعله أبدًا-.

(1) إرشاد الفحول: 2/ 772.

(2) رواه مسلم: كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح والنطق والبكر بالسكوت، رقم (1421) ؛ أبو داود، كتاب النكاح، باب في الثيب، رقم (2098، 2105) ؛ النسائي: باب استئذان البكر في نفسها: 6/ 84.

(3) مفتاح الوصول: ص95، وينظر فوائد أخرى في: تخريج الفروع على الأصول: ص57. ينظر: التمهيد للأسنوي: ص241.

(4) إرشاد الفحول: 2/ 775؛ البحر المحيط: 4/ 41.

(5) رواه البخاري، باب الوضوء: 1/ 75؛ مسلم في الطهارة: 1/ 234.

(6) ينظر قول الإمام مالك في: التمهيد: 2/ 198؛ المسودة: 358؛ البحر المحيط: 4/ 41، وينظر: إحكام الفصول: 2/ 250؛ منتهى ابن الحاجب: 150؛ مفتاح الوصول: 96.

(7) ينظر: البحر المحيط: 2/ 41، 42؛ البرهان: 1/ 304؛ الإبهاج: 1/ 382.

(8) ينظر: العدة: التمهيد: 2/ 298؛ المغني لابن قدامة: 8/ 140؛ المسودة: ص358، 359.

(9) إرشاد الفحول: 2/ 776.

(10) ينظر قوله في: التمهيد: 2/ 198؛ المسودة: ص358.

(11) التوبة: من الآية 80.

(12) رواه البخاري: كتاب التفسير، باب استغفر لهم: 4/ 1715 رقم (4670) ؛ مسلم، كتاب صفات المنافقين، رقم (4978) .

(13) التمهيد لأبي الخطاب: 2/ 199؛ المستصفى: 2/ 195.

(14) النساء: من الآية 48.

(15) التمهيد: 2/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت