كعبٌ مرارةُ بن الربيع، وهلالُ بن أمية، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلام هؤلاء الثلاثة ولبثوا على ذلك خمسين ليلة لا يكلمهم أحد من الصحابة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فماذا كان جزاء صدق هؤلاء الثلاثة؟ لقد نزل الوحي بتوبتهم، وأصبحت قصتهم قرآنا يتلى، وتسارع الصحابة يحملون بشرى هذه التوبة إلى كعب بن مالك فقدم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبرق وجهه من السرور. قال: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله» فقلت: يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كلمة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، وأنزل الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [1] .
(1) سورة التوبة: الآيات 117 - 119، والقصة مشهورة في كتب الأحاديث والسير، ينظر سيرة ابن هشام وصحيح البخاري، كتاب المغازي.