والحقيقة أنه لابد من التقيد بالشرع في كل ذلك لمعرفة المكروه من المزاح والمندوب إليه منه.
فالمكروه منه ما كان فيه إفراط بحيث يخرج المسلم عن مهمته الأساسية التي خلق من أجلها والتي هي عبادة خالقه جل وعلا: قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
والمقصود بالعبادة معناها الشامل؛ فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة [1] .
أما إذا لم يكن فيه إفراط ولا شغل عن الله فهذا سنة، وقد فعله صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين تربوا في مدرسة النبوة؛ فقد كانوا يتمازحون فيما بينهم، ولكن إذا جد الجد كانوا هم الرجال.
روى البخاري [2] في الأدب المفرد بسنده إلى بكر [3] بن عبد الله؛ قال: «كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبادحون بالبطيخ [4] ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال» [5] .
(1) انظر: العبودية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المكتب الإسلامي، بيروت 1403 هـ.
(2) محمد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي، أبو عبد الله البخاري، جبل الحفظ وإمام الدنيا في فقه الحديث، مات سنة ست وخمسين (ومائتين) وله اثنتان وستون سنة، (ت: 468 وت ت: 9/ 47) .
(3) بكر بن عبد المزني: أبو عبد الله البصري، ثقة ثبت جليل مات سنة ست ومائة، (ت: 127 و ت ت: 1/ 484) .
(4) أي: يترامون به، يقال: بدح يبدح إذا رمى. النهاية: (1/ 104) .
(5) الأدب المفرد للبخاري: (202) ، حديث (266) ، والحديث في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر، حديث (435) .