والفقر يصلح عليه خلق كثير، والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم، ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لأن فتنة الفقر أهون.
وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء: اللذة، وفي الضراء: الألم، اشتهر ذلك الشكر في السراء، والصبر في الضراء، ولأن صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، فإن صبر هذا وشكر هذا واجب، إذا تركه استحق العقاب.
وأما صبر صاحب السراء فقد يكون مستحبا، إذا كان عن فضول الشهوات، وقد يكون واجبا، ولكن لإتيانه بالشكر ـ الذي هو حسنات ـ يغفر له ما يغفر من سيئاته. وكذلك صاحب الضراء لا يكون الشكر في حقه مستحبا إذا كان شكرا يصير به من السابقين المقربين، وقد يكون تقصيره في الشكر مما يغفر له، لما يأتي به من الصبر، فإن اجتماع الشكر والصبر جميعا يكون مع تألم النفس وتلذذها، يصبر على الألم، ويشكر على النعم، وهذا حال يعسر على كثير من الناس [1] .
قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
[إبراهيم: 5] ، فآياته المشهودة إنما ينتفع بها أهل الصبر والشكر وهما سبب انتفاع صاحبهما بالآيات.
فالإيمان ينبني على الصبر والشكر فنصفه صبر ونصفه شكر، فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه، وآيات الله إنما ينتفع
(1) الحسنة والسيئة ـ ابن تيمية ـ (70 - 71) .