وإذا علم أن الشر لا يحصل إلا من نفسه بذنوبه، استغفر وتاب، فزال عنه سبب الشر، فيكون العبد دائما شاكرا مستغفرا، فلا يزال الخير يتضاعف له، والشر يندفع عنه، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته:"الحمد لله"فيشكر الله، ثم يقول:"نستعينه ونستغفره"نستعينه على الطاعة، ونستغفره من المعصية، ثم يقول:"ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" [1] . فيستعيذ به من الشر الذي في النفس، ومن عقوبة عمله، فليس الشر إلا من نفسه ومن عمل نفسه، فيستعيذ الله من شر النفس أن يعمل بسبب سيئاته الخطايا، ثم إذا عمل استعاذ بالله من سيئات عمله، ومن عقوبات عمله، فاستعانه على الطاعة وأسبابها، واستعاذ به من المعصية وعقابها.
فعلم العبد بأن ما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، يوجب له هذا وهذا، فهو سبحانه فرق بينها في قوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] ، بعد أن جمع بينهما في قوله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] .
فبين أن الحسنات والسيئات: النعم والمصائب، والطاعات والمعاصي، على قول من أدخلها في {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
ثم بين أن الخير من نعمة الله، فاشكروه يزدكم، وهذا الشر من ذنوبكم فاستغفروه يدفعه عنكم، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] [2] .
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين (الحمد) الذي هو رأس الشكر، وبين (التوحيد والاستغفار) إذا رفع رأسه من الركوع فيقول: «ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ، ثم يقول: «اللهم طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» [3] .
فالحمد: بإزاء النعمة، والاستغفار بإزاء الذنوب، وذلك تصديق قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] .
ففي سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي» [4] ، وفي حديث عمرو بن العاص: «الحمد رأس الشكر، فما شكر الله عبد لا يحمده» [5] ، كما جمع بينهما في أم القرآن
(1) أخرجه مسلم (868) (46) ، وأحمد (2749) ، وابن ماجة (1893) ، وابن حبان (6568) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) الحسنة والسيئة ـ ابن تيمية ـ (75) (39 - 40) .
(3) أخرجه مسلم (476) (204) ، وأحمد (19118) ، والنسائي (1/ 198) ، وابن أبي شيبة (10/ 213) .
(4) أخرجه البخاري (6323) ، وأحمد (17111) ، والنسائي في الكبرى (10298) ، وابن أبي شيبة 10/ 296، وابن حبان (932) ، والحاكم 2/ 458.
(5) أخرجه عبد الرزاق (19574) ، والديلمي في مسند الفردوس (2607) ، والسيوطي في الدرر المنثور (1/ 11) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (6419) .