والاستسلام» [1] ؛ فالوحيُ الإلهيُّ «لا سبيلَ إلى مقابلته إلَّا بالسَّمع والطَّاعة والإذعان والقبول؛ وليس لنا بعدَه الخيرةُ، وكلُّ الخيرة في التَّسليم له والقول به، ولو خالفه مَن بَين المشرق والمغرب» [2] ؛ قال- تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ؛ فلا ينبغي ولا يليق ممَّن اتَّصَفَ بالإيمان إلَّا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سَخَط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما.
ولا يليق بمؤمن ولا مؤمنة {إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} من الأمور وألزما به {أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} أي: الخيار؛ هل يفعلونه أو لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة أنَّ الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - أولى به من نفسه؛ فلا يجعل بعضَ أهواء نفسه حجابًا بينَه وبين أمر الله ورسوله.
وقد أقسم- تعالى- بذاته المقدَّسة أنَّه لا يثبت لأحد إيمان، ولا يكون من أهله، حتى يُحكِّمَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
فلا يصحُّ إيمان أحد حتى يُحَكَِّمَ النُّصوصَ في جميع أموره، وينقاد لها في الظَّاهر والباطن، ويسلِّم تسليمًا كلِّيًّا من غير ممانعة ولا
(1) العقيدة الطحاوية (201) .
(2) الروح لابن القيم (136) .