ويَزْعُم بعضُهم أنَّ فهمَ الصَّحابة والسَّلف للنُّصوص الشَّرعيَّة كان مناسبًا لواقعهم وثقافة عصرهم، ولا يتناسب مع عصرنا؛ وهذا قولٌ باطلٌ؛ فإنَّ نصوصَ القرآن نزلت بلغة عربيَّة ذات معان محدَّدة يعقلُها العارفون بهذه اللُّغة: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] ، ثم جاءت السُّنَّة لتزيد المعاني اللُّغويَّة بيانًا.
ثم إنَّ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسَّروا هذه النُّصوصَ بحسب ما فهموا من لغة القرآن والسُّنَّة التي كانت لغتهم، وبحسب ما سمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبحسب ما شاهدوا من المناسبات التي نزلت بسببها الآيات والأحوال التي ذكرت فيها الأحاديث.
ثمَّ جاءت الأجيالُ تلوَ الأجيال من أئمَّة المسلمين وعلمائهم لتفهم من نصوص الكتاب والسُّنَّة هذا الفهمَ نفسَه كما تدلُّ عليه مؤلَّفاتُهم؛ فالقولُ بأنَّهم فسَّروا النُّصوصَ بحسب ثقافة عصورهم مجرَّدُ وهم تبطله الحقائق التَّاريخيَّة.
ومعنى ذلك أنَّ ما تضمنته النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ من أوامر ونواه إنَّما كانت موجَّهةً إلى الناس الموجودين في زمن نزول الوحي، أو كانت حالُهم تشبه حالَ مَن نزل عليهم القرآن؛ وأمَّا مَن جاء بعدَهم وعاش واقعًا غيرَ واقعهم فلا يشمله النَّصُّ الشَّرعيُّ.
فإذا تغيرت أوضاع الناس في مجمل حياتهم - كما هو الأمر في حياة الناس اليوم - فإنَّ تلك الأحكامَ التي يتضمَّنها النَّصُّ ليست متعلِّقةً بهم أمرًا ونهيًا، ولهم أن يتديَّنوا فهمًا وتطبيقًا بخلافها؛ معتبرين