متشابهه عندَه، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس» [1] .
وتركُ المحكم والاعتمادُ على المتشابه يؤدِّي للضَّلال؛ فقد رَدَّ الخوارجُ والمعتزلةُ النُّصوصَ المحكمةَ الصَّريحةَ في إثبات الشَّفاعة بما تشابه من قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] .
وردَّ الجبريَّةُ النُّصوصَ المحكمةَ في إثبات مشيئة العبد وكونه قادرًا مختارًا بما تشابه عندهم من قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] .
فلا تتَّضح المسائلُ والأحكامُ حتَّى تستوفي جميع النُّصوص الواردة فيها؛ لأنَّها من مشكاة واحدة، ولا يمكن أن يرد بينها تناقضٌ ولا اختلافٌ؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم: « ... إنَّ القرآنَ لم ينزل يكذِّبُ بعضُه بعضًا؛ بل يصدِّقُ بعضُه بعضًا؛ فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردُّوه إلى عالمه» [2] .
فلا يجوز أن يؤخَذَ نصٌّ ويُتْركَ نصٌّ آخر؛ فهذا يؤدِّي إلى تقطيع النُّصوص وبَتْرها، وقد قال تعالى عن اليهود: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] .
وإنَّ كثيرًا من البدع والضَّلالات في القديم والحديث إنَّما ظهرت بسبب إهمال هذه القاعدة الجليلة؛ فبعضُ المبتدعة يأخذ نصًّا، ويترك
(1) تفسير ابن كثير (2/ 6) .
(2) رواه أحمد (6663) وصححه الألباني في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (1/ 218) .