إنَّ من الفتن التي ظهرت في هذا العصر مُحْييةً منهج الباطنية القدامى بصورة عصرية حداثية: الدَّعوة إلى إعادة قراءة النَّصّ الشرعي قراءة جديدة تكون- بزعمهم- متواكبةً مع تَطَوُّرات الحياة المعاصرة ومتناسبةً معها.
وتهدف هذه الدَّعوةُ إلى مراجعة شاملة للنُّصوص الشَّرعيَّة كافَّةً؛ فهي قراءةٌ لا يستعصي عليها شيءٌ من أصول الدِّين وفروعه؛ بل حتَّى قضيَّة التَّوحيد في الإسلام قابلةٌ للتَّأويل والقراءة الجديدة [1] .
وقد أدَّت هذه القراءات الجديدة إلى تحريف معاني القرآن والسُّنَّة، ومناقضة قطعيَّات الشَّريعة؛ بل ومصادَمة الأصول المقرَّرة الثَّابتة.
وتأتي خطورةُ هذا الاتِّجاه من ناحيتين:
الأولى: أنَّ هذه الدَّعوةَ قامت على أيدي أناس يتظاهرون بالانتساب لهذا الدِّين؛ بل ويتسمَّى بعضُهم بـ [المفكِّر الإسلاميّ] ؛ ممَّا يجعل لدعوتهم رواجًا وقبولًا لدى كثير من النَّاس؛
فهي خطَّةٌ تقوم على التَّغيير من داخل البيت الإسلاميِّ من
(1) يقول محمد أركون مناقشًا فكرةَ التَّوحيد: « ... أنا لا أقول بالتَّراجع عن هذا التَّصوُّر معاذَ الله؛ ففي التَّوحيد المنزَّه المطلَق تتجلَّى عبقريَّةُ الإسلام؛ وإنَّما أقول بإعادة تأويله؛ أي تأويله بشكل مخالف لما ساد في العصور الوسطى ... وهنا يكمن الرِّهانُ الأكبرُ لمراجعة التُّراث الإسلاميّ كلِّه، ولتأسيس لاهوت جديد في الإسلام» . قضايا في نقد العقل الديني (281) .