مدافعة ولا منازعة [1] ؛ قال الشَّوكانيُّ- رحمه الله: «وفي هذا الوعيد الشَّديد ما تقشعرُّ له الجلودُ، وترجف له الأفئدةُ؛ فإنَّه أوَّلًا أقسم- سبحانه- بنفسه مؤكِّدًا لهذا القسم بحرف النفي بأنَّهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان حتى يحصل لهم تحكيمُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثمَّ لم يكتف- سبحانه- بذلك حتى قال: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} ؛ فضمَّ إلى التَّحكيم أمرًا آخر؛ وهو عدمُ وجود حرج في صدورهم؛ فلا يكون مجرَّد التَّحكيم والإذعان كافيًا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانشراح قلب وطيب نفس، ثمَّ لم يكتف بهذا كلِّه؛ بل ضَمَّ إليه قولَه: {وَيُسَلِّمُوا} ؛ أي: يذعنوا، وينقادوا ظاهرًا وباطنًا.
ثمَّ لم يكتف بذلك؛ بل ضَمَّ إليه المصدرَ المؤكِّد، فقال: {تَسْلِيمًا} ؛ فلا يَثْبُتُ الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التَّحكيم، ولا يجد الحرجَ في صدره بما قُضي عليه، ويسلِّم لحكم الله وشرعه تسليمًا لا يخالطُه ردٌّ، ولا تشويه مخالفة» [2] .
والتَّسليمُ بما دلَّت عليه النُّصوص هو الفرقان بين أهل الحقِّ وأهل الباطل؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: «جماع الفرقان بين الحقِّ والباطل والهدى والضَّلال والرَّشاد والغيّ وطريق الشقاوة والهلاك: أن يجعل ما بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه هو الحقُّ الذي يجب اتِّباعُه؛ وبه يَحصلُ الفرقانُ والهدى، والعلم والإيمان؛ فيُصَدَّق بأنَّه حقٌّ
(1) تفسير ابن كثير (2/ 349) .
(2) فتح القدير (1/ 484) .