وهذه حالُ السَّلَف؛ «فالسُّنَّةُ أجلُّ في صدورهم من أن يقدِّموا عليها رأيًا فقهيًا، أو بحثًا جدليًّا، أو خيالًا صوفيًّا، أو تناقضًا كلاميًّا، أو قياسًا فلسفيًّا، أو حكمًا سياسيًّا؛ فمَن قَدَّمَ عليها شيئًا من ذلك فبابُ الصَّواب عليه مسدودٌ؛ وهو عن طريق الرَّشاد مصدودٌ» [1] ، قال البخاريُّ- رحمه الله: سمعت الحميديَّ يقول: كنَّا عند الشَّافعيِّ، فأتاه رجل فسأله عن مسألة.
فقال: قضى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا.
فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟!
فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة! تراني في بيعة! ترى على وسطي زنارا؟! أقول لك: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! [2] .
وقال الرَّبيعُ بنُ سليمان- رحمه الله: سأل رجلٌ الشَّافعيَّ عن مسألة، فقال: يروى فيها كذا وكذا عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
فقال له السَّائلُ: يا أبا عبد الله تقول به؟
فرأيت الشَّافعيَّ أرعد وانتفض، فقال: «يا هذا، أي أرض تقلُّني، وأي سماء تظلُّني، إذا رويتُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حديثًا فلم أقل به؟ نعم على السّمع والبصر، نعم على السَّمع والبصر» [3] .
(1) حادي الأرواح (8) .
(2) تاريخ دمشق (51/ 287) ، أحاديث في ذم الكلام وأهله (2/ 13) .
(3) الفقيه والمتفقه (1/ 218) ، حلية الأولياء (9/ 601) .