قال: فلا تفعل؛ فإنِّي أخاف عليك الفتنة.
قال: وما في هذه من الفتنة؟! إنَّما هي أميال أزيدها.
قال: فإنَّ الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ، وأيُّ فتنة أعظم من أن ترى أنَّ اختيارَك لنفسك خير من اختيار الله ورسوله [1] .
ومن التَّسليم للنُّصوص الشَّرعيَّة أن لا يتقدَّم الإنسانُ على المشرِّع برأيه؛ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1] ؛ فلا يتقدَّم بين يديه بأمر، ولا نهي، ولا إذن، ولا تصرف، حتى يأمر هو، وينهى، ويأذن.
وهذا باق إلى يوم القيامة لم يُنسَخ؛ فالتَّقدُّمُ بين يدي سنته بعد وفاته كالتَّقدُّم بين يديه في حياته، ولا فرقَ بينهما عند كلِّ ذي عقل سليم.
قال أبو عبيدة- رحمه الله: تقول العرب: لا تقدِّم بين يدي الإمام، وبين يدي الأب. أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.
وقال غيرُه: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى.
فإذا كان رفعُ الأصوات فوقَ صوته سببًا لحبوط الأعمال، فما الظَّنُّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنَّته وما جاء به [2] .
(1) الباعث في إنكار البدع (22) .
(2) مدارج السالكين (2/ 389) .