وغيرُه يَفهم من قوله تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 12] أنَّ المقصودَ بالنَّعلَين هما النَّفسُ والجسدُ؛ هوى النَّفس وملذَّات الجسد [1] .
ولو سرْنا على منهج هذه المدرسة في تفسير النُّصوص فسيؤولُ بنا الأمرُ إلى فوضى من الآراء والأفكار التي لا حدَّ لها؛ لأنَّ النُّصوصَ لا يتحصَّل من معناها شيءٌ يضبطُه قانونٌ حسب قولهم.
وإذا كان القرآنُ كتابًا مفتوحًا على جميع المعاني كما يقولون؛ فما الفائدةُ من إنزاله ليكون منهاجًا وسبيلًا للمؤمنين؟! وبالمقابل هل يحقُّ لأيِّ إنسان أن يَفهمَ نصوصَ علم الطِّبِّ والهندسة وغيرهما حسبَ فهمه، وأن يمارسَ هذه الأنشطةَ عمليًّا في أرض الواقع إلى درجة التَّشَرُّد والتَّسَكُّع في كلِّ الاتجاهات؟!
إنَّ هذا المبدأَ الذي تقوم عليه هذه المدرسةُ لو تمَّ العملُ به في قراءة النُّصوص لانهدمت الحياةُ الاجتماعية بأكملها؛ {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .
وذلك لأنَّ هذه الحياةَ تقوم على ما تواضع عليه النَّاسُ من دلالات لغويَّة يتمُّ التَّفاهم بينهم بناءً عليها، ولو انتفى ذلك وأصبح كلُّ واحد يفهم معاني النُّصوص بحسب تأويله الخاصِّ الذي يقتضيه تكوينُه الثَّقافيّ، فإنَّ النَّتيجةَ أن لا يدركَ أحدٌ مدلولَ خطاب الآخر؛ فينعدم التَّواصُلُ والتَّعاون؛ فضلًا عن التَّدَيُّن.
(1) القرآن محاولة لفهم عصري لمصطفى محمود (135) .