ويقول الجابريُّ داعيًا إلى ربط الأحكام بأسباب نزولها كي تبدو الشَّريعة أكثرَ طواعيةً وأشدَّ مسايرةً لظروف العصر وأحواله المتغيِّرة: «وهذا بابٌ عظيمٌ واسعٌ، يفتح المجال لإضفاء المعقوليَّة على الأحكام بصورة تجعل الاجتهادَ في تطبيقها وتنويع التَّطبيق باختلاف الأحوال وتغيُّر الأوضاع أمرًا ميسورًا» [1] .
ويضرب الجابريُّ لذلك مثالًا بربط عقوبة القطع في السَّرقة بأسباب نزولها؛ وهي: ما كان عليه العربُ قبل الإسلام وزمن البعثة النَّبويَّة من حيث إقامتهم في مجتمع بدويٍّ صحراويٍّ، واعتمادهم على التَّنَقُّل والتّرحال؛ طلبًا للكلأ.
فلم يكن من الممكن عقابُ السَّارق بالسّجن؛ إذ لا سجن ولا جدران ولا سلطة تحرس المسجون؛ وأمَّا في وقتنا الحاضر- وقت التَّطُوُّر العمرانيّ والصِّناعيّ- فقطعُ يد السَّارق غيرُ ملائم لرَدْعه عن تكرار السَّرقة؛ بل الملائمُ هو السّجن بدل القطع.
قال الشيخ أحمد شاكر- رحمه الله: «فانظروا إلى ما فعل بنا أعداؤنا المبشِّرون المستعمرون! لعبوا بديننا وضربوا علينا قوانين وثنيَّةً مجرمةً نسخوا بها حكمَ الله وحكمَ رسوله، ثمَّ ربَّوا فينا ناسًا ينتسبون إلينا، أشربوهم في قلوبهم بُغضَ هذا الحكم، ووضعوا على ألسنتهم كلمةَ الكفر: أنَّ هذا حكمٌ قاس لا يناسب هذا العصرَ الماجنَ، عصرَ المدنيَّة المتهتِّكة!
(1) وجهة نظر (59) .