وفي مجال المعاملات تجد نفس الروح الإسلامية العالية والضمير الحي اليقظ؛ فمما يؤثر أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - بعث بمتاع إلى حفص بن عبد الرحمن شريكه في التجارة، وأعلمه أن في ثوب منه عيبًا للناس فباع حفص المتاع، ونسي أن يبين، واستوفى ثمنه كاملًا؛ لثوب غير كامل، وقيل أن الثمن كان بثلاثين ألفًا، أو خسمة وثلاثين ألفًا، فأبى أبو حنيفة إلا أن يبعث لشريكه يكلفه أن يبحث عن المشتري، ولكنه لم يهتد إلى الرجل، فأبى أبو حنيفة إلا فصالًا من شريكه، ورفض أن يضيف ثمن الثوب إلى ماله، وتصدق به [1] .
وبهذا الضمير الحي الذي رباه الإسلام اكتسب التشريع الإسلامي قوة على غيره من القوانين الوضعية التي ليس لها تأثير في نفوس الناس؛ كما كان عليه التشريع السماوي.
وإن ما يحدث في المجتمعات التي انحرفت عن الإسلام وأعرضت عن شريعته من انعدام الأمن والاستقرار وانتشار الجرائم- لخير شاهد على صدق الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [2] .
-سادسًا: الشريعة الإسلامية تقوم على المساواة:
لا تحقق القوانين الوضعية المساواة بين الناس؛ فتميِّز بين رئيس الدولة الأعلى- ملكًا كان أو رئيس جمهورية- وسائر أفراد الأمة؛ ففي الدساتير، لا يسأل رئيس الدولة عن أي جريمة ارتكبها، وتعفي
(1) المرجع السابق، ص 70.
(2) سورة المائدة، الآية: 50.