أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها، { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون، { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } أي: خاضعين متذللين متضرعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم. [1]
قال تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) [البقرة/2-5] } .
فاليقينُ بالآخرة هو مفرقُ الطريق بين من يعيشُ بين جدرانِ الحسِّ المغلقةِ،ومن يعيشُ في الوجودِ المديد الرحيب.بين من يشعرُ أن حياتَه على الأرض هيَ كلُّ ما له في هذا الوجود،ومن يشعرُ أن حياتَه على الأرض ابتلاءٌ يمهِّدُ للجزاء،وأنَّ الحياةَ الحقيقية إنما هي هنالكَ،وراء هذا الحيِّز الصغيرِ المحدودِ [2] .
واليقينُ بالآخرة هو الضمانُ ليقظةِ القلب البشري،وتطلعِه إلى ما عند الله،واستعلائهِ على أوهاق [3] الأرض،وترفعُه على متاع الحياة الدنيا؛ ومراقبةِ الله في السرِّ والعلن وفي الدقيقِ والجليلِ؛ والوصول ِإلى درجة الإحسانِ التي سئل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: « الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ » [4] .
(1) - تفسير السعدي - (1 / 530)
(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 12)
(3) - الأوهاق جمع وهق: وهو الحبْلُ المُغارُ يُرْمى في أُنشوطَة فتؤْخَذُ به الدابّة والإنسانُ - تاج العروس - (ج 1 / ص 6621)
(4) - أخرجه البخاري برقم ( 4777) وفى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2784)