اللّه وحده،الواقفين للظلم والفساد بكل صوره ..إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب،إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب اللّه،واستحقاق النكال والضياع .. [1]
قال تعالى: { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (14) سورة يونس
وهي لمسة قوية للقلب البشري إذ يدرك أنه مستخلف في ملك أديل من مالكيه الأوائل،وأجلي عنه أهله الذين سبق لهم أن مكنوا فيه،وأنه هو بدوره زائل عن هذا الملك،وإنما هي أيام يقضيها فيه،ممتحنا بما يكون منه،مبتلى بهذا الملك،محاسبا على ما يكسب،بعد بقاء فيه قليل!
إن هذا التصور الذي ينشئه الإسلام في القلب البشري ..فوق أنه يريه الحقيقة فلا تخدعه عنها الخدع ..
يظل يثير فيه يقظة وحساسية وتقوى،هي صمام الأمن له،وصمام الأمن للمجتمع الذي يعيش فيه.
إن شعور الإنسان بأنه مبتلى وممتحن بأيامه التي يقضيها على الأرض،وبكل شيء يملكه،وبكل متاع يتاح له،يمنحه مناعة ضد الاغترار والانخداع والغفلة ويعطيه وقاية من الاستغراق في متاع الحياة الدنيا،ومن التكالب على هذا المتاع الذي هو مسؤول عنه وممتحن فيه.
وإن شعوره بالرقابة التي تحيط به،والتي يصورها قول اللّه سبحانه: «لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» ..ليجعله شديد التوقي،شديد الحذر،شديد الرغبة في الإحسان،وفي النجاة أيضا من هذا الامتحان! وهذا مفرق الطريق بين التصور الذي ينشئه الإسلام في القلب البشري بمثل هذه اللمسات القوية والتصورات التي تخرج الرقابة الإلهية والحساب الأخروي من حسابها! ..فإنه لا يمكن أن يلتقي اثنان أحدهما يعيش بالتصور الإسلامي والآخر يعيش
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 1932)