بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض،وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار.
وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين المعتزين بعزة اللّه وحده.المستعلين بالإيمان.المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان ..وجزاء المؤمنين - ومن معهم - معروف: «وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا» .وبهذه اللمسات المنوعة،يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم،ويقلل من شأنهم وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق،ويحذرهم مصيره.ويفتح باب التوبة للمنافقين ليحاول من فيه منهم خير،أن يخلص نفسه،وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص .. [1]
قال تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} (19) سورة الأنفال
قَالَ أَبُو جَهْلٍ فِي بِدْءِ المَعْرَكَةِ: ( اللَّهُمَّ أقْطَعُنَا لِلرَّحْمِ،وَآتَانَا بِمَا لاَ نَعْرِفُ،فَأَحِنْهُ الغَدَاةَ ) .فَكَانَ هُوَ المُسْتَفْتِحَ بِاللهِ وَالمُسْتَنْصِرَ بِهِ.وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّ قُرَيْشًا،قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى بَدْرٍ،طَافَتْ بِالكَعْبَةِ وَأَخَذَتْ بِأَسْتَارِهَا،فَاسْتَنْصَرُوا بِاللهِ وَقَالُوا: ( اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعَلَى الجُنْدَينِ،وَأَكْرِمَ الفِئَتَينِ،وَخَيْرَ القَبْلَتَيْنِ ) .فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وَمَعْنَاهَا:إِنْ تَسْتَنْصِرُوا بِاللهِ،وَتَسْتَحْكِمُوهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِكُمُ المُؤْمِنِينَ،فَقَدْ جَاءَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ.وَإِنْ تَنْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ،وَالتَّكْذِيبِ لِرَسُولِهِ،فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ،وَإِنْ عُدْتُمْ إلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ وَمُحَارَبَةِ النَّبِيِّ وَالمُؤْمِنينَ وَعَدَاوَتِهِمْ،نَعُدْ لَكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ،وَلَنْ تَنْفَعَكُمْ وَلَنْ تُفِيدَكُمْ ( تُغْنِي عَنْكُمْ ) جُمُوعُكُمْ
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 785)