وهؤلاءِ المحسنونُ هم الذين يكون الكتاب لهم هدىً ورحمةً؛ لأنهم بما في قلوبهِم من تفتحٍ وشفافيةٍ يجدون في صحبةِ هذا الكتاب راحةً وطمأنينةً؛ ويتَّصِلون بما في طبيعتهِ من هدى ونورٍ،ويدركونَ مراميهِ وأهدافهِ الحكيمة ِ، وتصطلحُ نفوسُهم عليه،وتحسُّ بالتوافقِ والتناسق ووحدةِ الاتجاه،ووضوحِ الطريق .
وإنَّ هذا القرآن ليعطي كلَّ قلبٍ بمقدارِ ما في هذا القلب من حساسيةٍ وتفتحٍ وإشراقٍ؛ وبقدر ما يقبلُ عليه في حب ٍّوتطلعٍ وإعزازٍ .إنه كائنٌ حيٌّ يعاطفُ القلوبَ الصديقةَ،ويجاوبُ المشاعر المتوجهةَ إليه بالرفرفةِ والحنينِ!
{ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (5) سورة البقرة.ومن هُديَ فقد أفلحَ،فهو سائرٌ على النورِ،واصلٌ إلى الغاية ِ، ناجٍ من الضلالِ في الدنيا،ومن عواقبِ الضلالِ في الآخرة؛ وهو مطمئنٌ في رحلته على هذا الكوكبِ تتناسقُ خطاهُ مع دورة الأفلاكِ ونواميسِ الوجود؛ فيحسُّ بالأنسِ والراحةِ والتجاوبِ مع كلِّ كائنٍ في الوجودِ [1] .
قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) } [البقرة/62 ] .
والآية تقرر أن من آمن باللّه واليوم الآخر من هؤلاء جميعا وعمل صالحا،فإن لهم أجرهم عند ربهم،ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.فالعبرة بحقيقة العقيدة،لا بعصبية جنس أو قوم ..وذلك طبعا قبل البعثة المحمدية.أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير [2] ..
وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) } [المائدة/69]
(1) - في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 3)
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 75)