النظرية التي تتعب العالم يأتي التعب منها لأنها ليست مربوطة أولًا بالماديات المقننة وبمعرفة الغاية،ولا بمعرفة الوسيلة لهذه الغاية.فمن المهتدي إذن؟
إن المهتدي هو من يعرف الغاية التي يسعى إليها،والوسيلة التي تؤهله إلى هذه الغاية.وإذا حدث له عطب في ملكات نفسه،يستعين في إصلاح العطب ويلجأ إلى من صنع هذه الملكات،وهو الله سبحانه،كما يرد الإنسان الآلة التي تتعطل لصانعها.ونجد كثيرًا من الشعراء يسرحون في خيالهم فيقول الواحد منهم:
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ومن أين للغايات بعد المذاهب؟
ونقول له:من خلقك أوضح لك الغاية. [1]
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (30) سورة الكهف
بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ الأَشْقِيَاءِ،ثَنَّى بِذِكْرِ حَالِ السُّعَدَاءِ،مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ،وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ،وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ،فَقَالَ تَعَالَى:إِنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَخْلُوقٍ مِنْ عِبَادِهِ آمَنَ بِالحَقِّ الَّذِي يُوحَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ،وَعَمِلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ،وَلاَ يَظْلِمُهُ نَقِيرًا . [2]
نلاحظ أن { مَنْ } هنا عامة للمؤمن والكافر؛ لذلك لم يَقُل سبحانه:إنَّا لا نضيع أجر مَنْ أحسن الإيمان؛ لأن العامل الذي يُحسِن العمل قد يكون كافرًا،ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى حَقّه،بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا.
فالكافر إن اجتهد واحسن في علم أو زراعة أو تجارة لا يُحرم ثمرة عمله واجتهاده،لكنها تُعجَّل له في الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حَظَّ له في الآخرة.
ويقول تبارك وتعالى: { وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا } [الفرقان:23]
(1) - تفسير الشعراوي - ( / 864)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2171)