مستيقنة لا شبهة فيها. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ » . [1]
فإذا وقع اليقين،وبلغ الأمر إلى الحاكم،فقد وجب الحد ولا هوادة،ولا رأفة في دين اللّه.فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة،وعلى الآداب الإنسانية،وعلى الضمير البشري.وهي رأفة مصطنعة.فاللّه أرأف بعباده.وقد اختار لهم.وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم.واللّه أعلم بمصالح العباد،وأعرف بطبائعهم،فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا،وتفسد فيها الفطرة،وترتكس في الحمأة،وتنتكس إلى درك البهيمة الأولى ..
والتشديد في عقوبة الزنا لا يغني وحده في صيانة حياة الجماعة،وتطهير الجو الذي تعيش فيه.والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة - كما قلنا - إنما يعتمد على الضمانات الوقائية وعلى تطهير جو الحياة كلها من رائحة الجريمة. [2] .
قال تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) [المجادلة/22] } .
إنها المفاصلة الكاملة بين حزب اللّه وحزب الشيطان،والانحياز النهائي للصف المتميز،والتجرد من كل عائق وكل جاذب،والارتباط في العروة الواحدة بالحبل الواحد. « لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ..فما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه،وما يجمع إنسان في قلب واحد ودّين:ودّا للّه ورسوله وودا
(1) - سنن أبي داود - المكنز - (4378 ) صحيح
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2488)