ويضاعف قوتها أنها تمضي مع الخط الثابت الذي يمضي فيه الكون كله ظاهره وخافيه.وأن كل ما في الكون من قوى مكنونة تتجه اتجاها إيمانيا،فيلتقي بها المؤمن في طريقه،وينضم إلى زحفها الهائل لتغليب الحق على الباطل.مهما يكن للباطل من قوة ظاهرة لها في العيون بريق! وصدق اللّه العظيم: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا.قُلْ:لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ.بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .فهي المنة الكبرى التي لا يملكها ولا يهبها إلا اللّه الكريم،لمن يعلم منه أنه يستحق هذا الفضل العظيم.
وصدق اللّه العظيم.فماذا فقد من وجد الأنس بتلك الحقائق والمدركات وتلك المعاني والمشاعر؟ وعاش بها ومعها،وقطع رحلته على هذا الكوكب في ظلالها وعلى هداها؟ وماذا وجد من فقدها ولو تقلب في أعطاف النعيم.وهو يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام.والأنعام أهدى لأنها تعرف بفطرتها الإيمان وتهتدي به إلى بارئها الكريم؟ [1]
فالتعبد لإله واحد،يرفع الإنسان عن العبودية لسواه،ويقيم في نفسه المساواة مع جميع العباد،فلا يذل لأحد،ولا يحني رأسه لغير الواحد القهار ..ومن هنا الانطلاق التحرري الحقيقي للإنسان.الانطلاق الذي ينبثق من الضمير ومن تصور الحقيقة الواقعة في الوجود.إنه ليس هناك إلا قوة واحدة وإلا معبود واحد.
فالانطلاق التحرري ينبثق من هذا التصور انبثاقا ذاتيا،لأنه هو الأمر المنطقي الوحيد.
والربانية التي تحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان تصوراته وقيمه وموازينه واعتباراته وشرائعه وقوانينه،وكل ما يربطه باللّه،أو بالوجود،أو بالناس.فينتفي من الحياة الهوى والمصلحة،وتحل محلهما الشريعة والعدالة.
وترفع من شعور المؤمن بقيمة منهجه،وتمده بالاستعلاء على تصورات الجاهلية وقيمها واعتباراتها،وعلى القيم المستمدة من الارتباطات الأرضية الواقعة ..ولو كان فردا
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3351)