مِمَّنْ يَعْمُرُونَ مَسَاجِدَ اللهِ،لِتَوافُقِ فِعْلِهِ مَعَ إِيمَانِهِ،وَكَانَ مِنَ المُهْتَدِينَ إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ [1] .
إن العبادة تعبير عن العقيدة فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح،وبالعمل الواقع الصريح،وبالتجرد للّه في العمل والعبادة على السواء: «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ» ..
والنص على خشية اللّه وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر،لا يجيء نافلة.فلا بد من التجرد للّه ولا بد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك وخشية أحد غير اللّه لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصدا في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله للّه.وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد اللّه،ويستحقون أن يرجوا الهداية من اللّه: «فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» ..
فإنما يتوجه القلب وتعمل الجوارح،ثم يكافئ اللّه على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح.
هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت اللّه وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبينها اللّه للمسلمين والمشركين،فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية،وعقيدتهم ليست خالصة للّه،ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد،لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل اللّه وإعلاء كلمته: «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟» .. «لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ» .وميزان اللّه هو الميزان وتقديره هو التقدير.
«وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» .المشركين الذين لا يدينون دين الحق،ولا يخلصون عقيدتهم من الشرك،ولو كانوا يعمرون البيت ويسقون الحجيج. [2]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1254)
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1614)