فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله،بخواطر نفسه،وخلجات قلبه.وأشواق روحه،وميول فطرته،وحركات جسمه،ولفتات جوارحه،وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا.ويتوجه بهذا كله إلى اللّه ..
يتمثل هذا في قول اللّه سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن: «يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا» والشرك مداخل وألوان،والتوجه إلى غير اللّه بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك باللّه.
ذلك الإيمان منهج حياة كامل،يتضمن كل ما أمر اللّه به،ويدخل فيما أمر اللّه به توفير الأسباب،وإعداد العدة،والأخذ بالوسائل،والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض ..أمانة الاستخلاف ..
فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟
إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم ..إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء وتحقيق المنهج الذي رسمه اللّه للبشرية كي تسير عليه وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض،اللائق بخليقة أكرمها اللّه.
إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح،لا على الهدم والإفساد.وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة،لا على الظلم والقهر.وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري،لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان! وهذا الاستخلاف هو الذي وعده اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..وعدهم اللّه أن يستخلفهم في الأرض - كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم - ليحققوا النهج الذي أراده اللّه ويقرروا العدل الذي أراده اللّه ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها اللّه ..فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض،وينشرون فيها البغي والجور،وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان ..فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض.إنما هم مبتلون بما هم فيه،أو مبتلى بهم غيرهم،ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها اللّه آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: «وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ» ..وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب،كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها.فقد وعدهم اللّه إذن أن يستخلفهم