فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 228

هذه الزنازن انفرادية، فتجد السجن دائمًا ساكنًا وهادئًا، وهذا السكون يعمل رهبة، في نفس الشاب، الذي يأتي أول مرة للمخابرات؛ فأكرمني الله - عز وجل -، بأن أشق هذا السكون، وأن أسن سنة، هي لليوم بفضل الله - عز وجل -، جارية يتبعها ويفعلها الشباب.

فلأول وهلة فكرت أنا، وأخذت أنظر إلى هذه الطاقة [1] ، يعني على أين تطل؟ فبدأت أنظر وأبحث في الطاقة، التي هي في أعلى الزنزانة، على ماذا تطل؟ ما الذي بعدها؟ فتسلقت في غفلة من الحراس ونظرت؛ وجدت بأنها تطل على الساحة، التي نتشمس بها أحيانًا.

وأن الساحة على شكل مثلث، وهذا المثلث فيه ثلاث كرادورات [2] ، كل كرادور فيه، عشرة أو إحدى عشر زنزانة؛ جميع هذه الزنازن، تطل طاقاتها على هذه الساحة؛ بمعنى أنني لو تكلمت، أو صرخت أو ناديت، سيُسمع صوتي من سائر الزنازن، جميع الطاقات ستسمع صوتي.

فقلت:"إذن لماذا لا أستغل هذا للتكبير؟ لرفع معنويات إخواني، للتواصل مع إخواني"؛ هذه خطرت في بالي، فكانت تجربتي هذه، أول يوم كانت يوم عيد الأضحى؛ فخرجت فصعدت على الطاقة، فناديت فقط بكلمات معدودات:"لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا، لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا"، حتى لم أُكمل الآية، وما أكملتها؛ لأنها كانت أول محاولة، فما صار رد فعل، العسكري ما انتبه، رغم أن صوتي كان عالي، ما أحد راجعني.

فتجرأت أكثر، فصعدت المرة الثانية، وقلت: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بصوت أعلى؛ فسمعت واحدًا، من طاقة قريبة يقول:"الله يثبتك، الله أكبر، الله يجزيك الخير"، فهذا شجعني أكثر، قلت أصبح فيه تواصل، بدأت أسمع أصوات الآخرين، يفرحهم هذا إذن، ربما يعني نسن هذه السنة.

فصعدت مرة أخرى، وقلت:"استعينوا بالله واصبروا، الله مولانا ولا مولى لهم"؛ وإذا بشخص مباشرة، قبل أن أنزل مباشرة، يصعد على الطاقة، ويقول:"الله أكبر، الله يثبتك"، وإذا به من؟ عبد الهادي دغلس في طاقة أمامي.

هذه أول مرة، أرى شخص من الطاقة، هو ينظر إلى من الطاقة، وأنا أنظر إليه من طاقة؛ فتأخرت وأخذت أتكلم معه قليلًا، حتى جاء العسكري، ومسكني وأنا متعلق على الطاقة،

(1) الشباك الصغير.

(2) كرادور: الممر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت