وبعد هذه الجلسة التي جلسناها مع الشباب، وبينًا لهم الموقف من هذا الرجل، قرّرت أنا أن أكتب ورقة لهذا الرجل قبل أن يخرج من الزنازن؛ ليقرأها وهو داخل من الزنازن بتروٍّ وتدبّر، فكتبت ورقات سمّيتها (النصائح الغاليات إلى المهندس ليث شبيلات) ، بيّنت فيها مختصر ما نعتقده من التوحيد ومختصر دعوتنا، وبينت أهم الأصول ومعنى لا إله إلا الله وما تحويه من النفي والإثبات.
ودعوته إلى أن يبرأ إلى الله من هؤلاء الطواغيت؛ لأنه كان - كما هي سياسة كثير من المعارضين في بلادنا - يفرق بين رأس النظام وبين الحكومة، فتجد كلامه كله منصب على الحكومة، ولكنه يتجنب الكلام على رأس النظام؛ فكلامي كان مركزًا على مثل هذه النقاط، وأخذت هذه الأوراق ونسخ الإخوة منها نسخة، وكنت دائمًا في كل ما أكتبه في السجن أنسخ منه نسخ احتياطية؛ نسخة ينسخ منها الشباب داخل السجن، ونسخة أخرجها إلى بيتي مع أي زائر يزورني أو مع أي صديق يزورني من ثقوب كانت في شبك الزيارة؛ وهكذا خرجت جميع كتاباتي داخل السجن بهذه الطريقة، كنا نكتبها على أوراق ونطويها هكذا رفيعة، فأذهب للزيارة ومعي خمسين ورقة أو عشرين ورقة، وأنا أربطها في خيط تحت كمّي؛ ثم إذا رأيت الشخص المناسب قد جاءني في الزيارة، أخرجها ورقة ورقة عن طريق ثقوب كنّا نفتحها ونغلقها وهكذا.
فأخرجت من هذه النصيحة نسخة، كما هو شأني مع سائر كتاباتي، تحفظ إلى أن يحين أوان نشرها، فأوصلت نسخة لليث شبيلات من أسفل باب الزنازن، وبالفعل استلمها.
ثم عندما خرج هذا الرجل دعوناه إلى الإفطار، فجاء عندنا وأفطر وجلست معه أنا وأبو مصعب وبعض الإخوة المنتخبين من الكبار الفاهمين؛ وتكلمنا معه عن الأوضاع في السجن وعن دعوتنا وعن سبب اعتقالنا، وأعطيناه رسالة كانت عندنا وهي رسالة (ملة إبراهيم) ، وبعض الكتابات التي كتبناها، وأفطر معنا ثم ذهب إلى حال سبيله؛ وبقيت الأمور على هذه الطريقة، أنا أتعامل معه وربما أصافحه في الكلدرات أو في السجن عندما ألتقي به، وأعطيه بعض الكتب، وإذا دخلت إلى الغرفة التي هو فيها مع جمع آخر من السجناء أسلم عليه كما أسلم على الآخرين.
وكان يشاركني في ذلك البعض (قلة) ، ولكن عندما تتأزم الأمور، يكون تأثير الذي يصنفون بأنهم تصعيديّين ومتشدّدين يكون أقوى على الآخرين؛ فتجد بعض الشباب الضعفاء يتراجع