كانت أمنيته أني أدرس الهندسة أو شيء نحوها، فكنت نازلًا على طلبه، ولكن فوجئنا بأن طريقة الدراسة معقدة، ولا يكترثوا بمعدلاتك التي جئت بها في الثانوية أو التوجيهي أو غير ذلك، وإنما في كل جامعة تريد أن تتقدم لها تعطيها كتب في التخصص الذي تريد أن تدخل فيه وتدرس هذه الكتب وتمتحن فيها فإن جبت معدل يناسب في الجامعة فستقبل بهذا التخصص الذي جئت تدرسه، فنحن في البداية لما رأينا المسألة تحتاج إلى دراسة اللغة اليوغسلافية، ورأينا أناس صار لهم ثمان سنوات وتسع سنوات وعشر سنوات في تخصصاتهم، ورأينا أن الطريق طويلة في هذه البلد وأن الدراسة لا تناسبنا في هذا المكان، فضلًا عن الأمر الذي أزعجنا أكثر وأكثر وهو الفساد المنتشر والتبرج والانحلال والاختلاط، فكان أجرؤنا وأولنا قطعًا لهذا الأمر الشاب الذي تأثرنا فيه وتديَّنا على يديه فرجع من هناك إلى الأردن، وأنا مكثت قليلًا استخرت الله وقررت أيضًا بعده الانسحاب من تلك البلاد ورجعت إلى الأردن كذلك، ثم لحق بنا الثالث، يعني كلنا الثلاثة لم تناسبنا الدراسة لأنها كانت محاولة، فلما رجعت للأردن وجدت أنه ينتظرني قبول في العراق في جامعة الموصل، في كلية العلوم، فالوالد كان لا يريد هذا، يريد هندسة أو شيء نحوها، فأنا حاولت أقنعه أن هذا المكان قريب وتكاليفه أقل والدراسة كلها دراسة، والعلوم وغيرها ليس بها بأس، فذهبت واسترضيته في هذا الأمر على أنه أقرب وأسهل، وذهبت إلى جامعة الموصل والْتحقت بها، وبدأت أدرس علوم بيولوجي هناك، تخصص بيولوجي درست فيها تقريبًا سنتين.
وفي السنة الثالثة -كما سيأتي- عندما بدأت يقوى تأثري بجماعة جهيمان وكانوا ينكرون عليّ، كيف تدرس في جامعة مختلطة؟ وكيف تجلس بين النساء؟ وكيف يدرّسك النساء؟ فاخترت الخروج من الجامعة على خلاف بيني وبين جماعة سرور، فكانوا يقولوا: لا، ابق نحن كل مشايخنا درسوا في الجامعات، فلان درس في سورية، وفلان درس في كذا، هل أنت خير منهم وغير ذلك من أمور ... كان بدأ الاحتكاك لأجل هذا الأمر، وقالوا وأنت لا يجوز أن تخرج بدون إذن.
فأنا بدأت أراسل المشايخ وأكتب في هذ الأمر لأقنعهم بأني أنا هذه وجهة نظري الشرعيّة، وأنا لا يجوز لي أن أدرس بهذا إذا كنت إنسان مسلم وداعية وطالب علم، فكيف أبقى أجلس بين النساء؟ كان هذا تأثري بجماعة جهيمان في ذلك الوقت ظاهرًا، فاخترت هذا الأمر بعد أن راسلت المشايخ الألباني وابن باز وغيرهم وأتيت بفتاوى بأن الجامعات المختلطة محرمة.