ومثلهم أولئك الذين يختلقون من عند أنفسهم"مقاصد للشريعة"و"أصولا"عامة - كما يزعمون - لضرب نصوص الكتاب والسنة الخاصة عرض الحائط، فلا تكاد تعثر لديهم من دليل على أهوائهم وتأويلاتهم لنصوص الوحي غير قولهم"هذا دلت عليه أصول الشريعة ومقاصدها"ناسين أو متناسين أنهم يتكلمون عن أصول"الشريعة"وعن مقاصد"الشريعة" (1) ، وما هي أصول الشريعة ومقاصدها؟ وهل يمكن لعاقل أن يقول بإدراك أصول الشريعة ومقاصدها إلا من فروعها وجزئياتها؟
وقد تقدم قول الغزالي في مسألة تترس الكفار بأسارى المسلمين أن المصلحة العامة التي سوغت التأويل هناك، علم بالضرورة كونها مقصود الشارع، لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر، وأن الذي سوغ اعتبارها هو كونها: ضرورية، قطعية، كلية.
وهذا بيت القصيد: إن"المصالح العامة"و"أصول الشريعة"ومقاصدها لها طرق ومسالك تدرك بها مثلما تدرك العلة بمسالك معروفة، أي ليس بمجرد الدعوى والهوى.
وإذا وصلنا بالبرهان إلى هذا الحد، بان أنه لم يعد هناك معنى لتقييد هذه المصالح"بالمرسلة"فإنها أصبحت من المصالح المعتبرة أو الملغاة لا المرسلة، ولعل هذا هو فحوى مذهب بعض العلماء الذين نفوا حجية المصالح المرسلة لأن المصالح آلت في الحقيقة إلى قسمين:
-مصالح معتبرة شهد لها الشرع بالاعتبار إما بنصوص جزئية أو مقاصد كلية، وأصول عامة.
-ومصالح ملغاة شهد الشرع على بطلانها إما بنصوص جزئية أو مقاصد كلية وأصول عامة.
وهذا ما انتهى إليه الدكتور أحمد الريسوني في كتابه"نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"فقال: ليس هناك مصالح مرسلة بالمعنى المطلق للإرسال، وأن ما يسمى بالمصالح المرسلة، هي في الحقيقة مصالح معتبرة شرعا.
(1) سيأتي أمثلة لما قالوه ولما استدلوا عليه في الباب الثاني في مبحث تأويل مفاهيم الأصول - إن شاء الله تعالى.