وكل ما في الأمر، أنها لم يرد في تسميتها وحفظها نصوص خاصة، بل يدخل حفظها فيما علم - قطعا - من قصد الشريعة إلى حفظ المصالح، ويدخل في نصوص عامة تأمر بالخير والصلاح، وإذا ظهر المقصود فلا مشاحة في الاصطلاح (1) .
وممن يكثر الاتكاء على مقولاتهم والاستناد إلى عباراتهم، ومن ثم تحريفها عن مواضعها، وتقويلها ما لم تقل، علماء أثبات لهم باعهم ومنزلتهم في الفقه والاجتهاد مثل الغزالي والشاطبي والعز بن عبد السلام ومن المحدثين الطاهر بن عاشور.
و أنا ناقل عن كل منهم بعض النقول التي تدحض مزاعم المؤولين المحرفين لكلام العلماء، الذين يتخذون من بعض أقوالهم في المصالح تكأة لنبذ نصوص الشرع الشريف من الكتاب والسنة، ويوهمون الناس أن هؤلاء العلماء يقولون بإدراك المصالح بالعقل المجرد وانهم لا يعبأون بالنصوص الجزئية التفصيلية:
-إدراك المصالح عند العز بن عبد السلام:
فهذا العز بن عبد السلام يصرح بأن حصول الاعتقاد لدى المجتهد بان هذه مصلحة لا يجوز إهمالها أو مفسدة لا يجوز قربانها يكون بتتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، وان إدراك تلك المصالح والمقاصد ناتج عن فهم نفس الشرع وإن لم يرد فيها دليل جزئي من إجماع أو نص أو قياس خاص (2) .
ويقول:"أما مصالح الدارين - الدنيا والآخرة - وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع: هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح" (3) .
وهذا على الرغم من تأكيده في غير موضع على أن الشريعة كلها مصالح: إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح، إلا أنه لا يقصد من هذه العبارة أن تلك المصالح تدرك بالعقل.
(1) د. أحمد الريسوني: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ص291.
(2) العز بن عبد السلام عبد العزيز السلمي: قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/189.
(3) نفس المصدر 1/8.