هذا من الأصول الموهومة، إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ، لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصودٍ، فُهِم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة، إذا القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرف لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فسمي لذلك مصلحة مرسلة.
وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة.
وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى، ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحا لكلمة الردة، وشرب الخمر، وأكل مال الغير، وترك الصوم، والصلاة، لأن الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور، ولا يباح به الزنا والقتل لأنه مثل محذور الإكراه.
فإذن، منشأ الخلاف في مسألة التترس الترجيح - إلى أن قال-:"قلنا: عرفنا ذلك (جواز قتل الأسارى) لا بنص واحد معين، بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها شك في أن حفظ"