وأما المصالح الملغاة، والتي دل الشرع على إلغائها فلا يجوز تخصيص وتأويل النصوص بها بحال، وان حصل فهو باطل، لأن فيه تحليلا للحرام، أو تحريما للحلال، وفتح هذا الباب كما قال الغزالي يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال والمصالح (1) وتقديرها.
-الشاطبي ومقاصد الشريعة:
ومن الضروري أن نعرف رأي الشاطبي في إدراك المقاصد والمصالح لأن كل الذين ينحون إلى تعطيل النصوص بمعارضتها بالمصالح والمقاصد يتكئون بشكل خاص على بعض العبارات للشاطبي، متغافلين أن الشاطبي على الرغم من إقراره أن الشرع جاء لمصالح العباد في العاجل
والآجل معا وأن ذلك من المسلمات القطعية التي عرفت بالاستقراء فانه أثار التساؤل المحوري والمفصلي في ختام كلامه على المقاصد (2) : وهو كيف وبماذا يعرف مقصود الشارع مما ليس بمقصود، فهذه مسألة غير تلك، فكون الشرع قد جاء لمصالح العباد وخيرهم في الدنيا والآخرة مما لا خلاف فيه، وليس هو محل الإشكال، إنما المعضلة التي وقع فيها النزاع هي: بماذا تدرك مقاصد الشريعة؟
فيرى الشاطبي أن مقاصد الشريعة لها مسالك تدرك بها، لا يجوز، ولا يمكن إثباتها أو ادعاؤها بغيرها وهي:-
1ـ فهم القرآن وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفق اللسان العربي وأساليب العرب في البيان، ذلك لأن الشريعة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية، والقرآن عربي، فطلب فهمه يكون من هذا الطريق خاصة، فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل لتطلب فهمه من غير هذه الجهة (3) ، لأن لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشرع (4) ، وكلما كان المجتهد أمكن في العربية كان أقدر على إدراك مقاصد الشريعة إدراكا سليما.
وقد رد الشاطبي أسباب الانحراف والابتداع في الدين إلى الجهل بالأدوات التي تفهم بها المقاصد والى تحسين الظن بالعقل.
(1) انظر: نفس المصدر 1/416.
(2) انظر: الموافقات 2/391.
(3) انظر: الموافقات 2/65-66.
(4) نفس المصدر 4/324.