وفي بيانه لمعنى مقاصد التشريع العامة يؤكد ما قاله الشاطبي من أنها معان وحكم ملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها (1) ، أي أن سبيل إدراك المصالح والمقاصد هو استقراء نصوص الشريعة واستنباط تلك المقاصد منها.
وقد اشترط لصحة اعتبار تلك المعاني المستنبطة بطريق الاستقراء مقاصد شرعية أربعة ضوابط وهي:- الثبوت والظهور والانضباط والاطراد. وهو يريد بالثبوت أن تكون تلك المعاني مجزوما بتحققها أو مظنونا ظنا قريبا من الجزم.
وأما الظهور فهو يعني الاتضاح، بحيث لا يختلف الفقهاء في تشخيص المعنى ولا يلتبس على معظمهم بمشابهة، مثل حفظ النسب الذي هو المقصد من مشروعية النكاح، هو معنى ظاهر ولا يلتبس بحفظه الذي يحصل بالمخادنة أو بالإلاطة- وهي إلصاق المرأة البغي الحمل الذي تعلقه برجل معين ممن ضاجعها.
والمراد بالانضباط أن يكون للمعنى حد معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، مثل حفظ العقل
فهو منضبط إلى القدر الذي يخرج به العاقل عن تصرفات العقلاء وهو - حفظ العقل، المقصود من مشروعية التعزير بالضرب عند الإسكار.
والمراد بالاطراد أن لا يكون المعنى مختلفا باختلاف أحوال الأقطار والقبائل والأعصار، مثل وصف الإسلام والقدرة على الإنفاق، فهو مقصد مطرد كشرط في الكفاءة والزواج، وإذا اختل وصف الاطراد بان كان المعنى صلاحا تارة وفسادا أخرى، فهذا لا يصلح لاعتباره مقصدا شرعيا على الإطلاق، ولا لعدم اعتباره على الإطلاق، بل يوكل تعيين الوصف الجدير بالاعتبار في أحد الأحوال دون غيره إلى نظر علماء الأمة وولاة أمورها، الأمناء على مصالحها من أهل الحل والعقد (2) .
(1) نفس المصدر ص51.
(2) المرجع السابق: ص52، بتصرف بسيط.