هذه هي مقاصد التشريع عند الطاهر بن عاشور، وهذه هي ضوابطها وشروطها، فقد حدها بمدركات العقول السليمة، لا مدركات العقول الشاذة، والأمثلة التي ساقها هي من النوع الذي لا يختلف عليه اثنان، فهي من البدهيات التي يدركها الإنسان بمجرد فطرته. وأكد هذا المعنى عند ما قرر أن مقاصد الشريعة الإسلامية إنما بنيت على وصف الشريعة الأعظم وهو الفطرة وهي الحالة التي خلق الله عليها النوع الإنساني سالما من الاختلاط بالدعوات والعادات الفاسدة (1) .
وإذا أمعنا النظر في الضوابط والشروط التي وضعها وشرطها للمعاني حتى تصلح أن تسمى أو تكون مقاصد شرعية، فإننا نجدها تنطبق على أوصاف العلة الشرعية في القياس الأصولي المعروف. فهو يشترط ثبوت ذلك المعنى جزما أو بظن قريب من الجزم، وهو شرط زائد على شروط العلة إذ يكفي أن تثبت بدليل آحاد صحيح، فأين تلك المعاني التي يخترعها أدعياء الاجتهاد، ويجعلونها مقاصد للتشريع، هل ثبتت بدليل آحاد فضلا عن التواتر؟ وكيف تثبت بدليل متواتر وفي الشريعة نصوص متضافرة تناقضها وتبطلها (2) ؟
وهو يشترط للمعنى الذي يصلح أن يعتبر مقصدا للتشريع أن يتفق الفقهاء عليه وان لا يلتبس بغيره من المعاني، فأين المعاني التي اخترعوها وابتدعوها من الصحة، بله من اتفاق الفقهاء من مثل"حقوق الإنسان"و"والحريات العامة"و"والتعددية"بفروعها السياسية والثقافية والحزبية"أين هذه المعاني بإطلاقها كما ترد في كتابات أدعياء الاجتهاد؟ من الصحة فضلا عن اتفاق الفقهاء؟ وأين بعدها عن الالتباس والمشابهة؟ ألا تلتبس هذه المفاهيم المثقلة بدلالات التاريخ الغربي ومضامينه وثقافته؟ فكيف تكون مقاصد عامة للتشريع الإسلامي وهي على هذا النحو من ضعف الثبوت وشدة الالتباس والمشابهة بالأفكار والمفاهيم السائدة المحادة للمفاهيم الإسلامية؟"
(1) نفس المصدر ص58.
(2) مثل اعتبارهم حرية الاعتقاد وحق المواطنة من مقاصد الشريعة كما سيأتي في الباب الثاني.