فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 528

وحتى يصلح المعنى لأن يكون مقصدا عاما للتشريع، فان ابن عاشور يشترط له الانضباط، وهو يعني أن يكون له معالم توضحه وتحدده وتميزه عن غيره، فأين"المقاصد"المدعاة من هذا الضبط.

إنك لا تكاد تجد أحدا من مصمميها قادرا أن يحدها أو يوضحها أو يجيب على إشكالاتها الشرعية، وعلى سبيل المثال أنهم يطلقون القول بأن الإسلام أرسى التعددية السياسية والحزبية واحترام آراء الآخرين، ثم لا يحيرون جوابا إذا كان مؤدى كلامهم إباحة الكفر وإظهار الردة وإباحة الاستقطاب الحزبي على أساس لا ديني، وجواز الطعن في الإسلام بذريعة حرية الرأي.

ولا بد للمعنى حتى يصلح أن يكون مقصدا عاما للتشريع أن يكون مطردا لا يختص بحال دون حال، ولا قطر دون قطر ولا زمن دون زمن - أي أن يكون من المعاني الثابتة التي حرص الإسلام على مراعاتها في كل زمان ومكان وحال. فهي ترتقي إلى مرتبة الضروريات.

وإذا اختل الاطراد، وتحقق المعنى في حال دون حال لم يعد صالحا لاعتباره مقصدا تشريعيا عاما ولا خاصا.

فأين هذه"المقاصد"المبتدعة من هذه المعالم والضوابط؟ فقد أصبح شائعا أن يبتدع كل شخص ما يروق له من المعاني ويخلع عليها حلة"المقاصد الشرعية"ليسوم بها النصوص الشرعية عسف التأويل والتفسير مما لا يخطر على بال.

ولهذه الأسباب ضبط الأصوليون ومنهم الطاهر بن عاشور المقاصد الشرعية بضرورة كونها ثابتة بالجزم أو بظن قريب من الجزم وبالظهور أي اتفاق الفقهاء على المعنى وعدم التباسه عليهم، وبكونها منضبطة متميزة عن غيرها، وأخيرا بكونها مطردة في كل زمان ومكان حتى لا يخلع من شاء على أوهامه وتخيلاته ثوب المعاني والمقاصد الشرعية.

قال بعد ذكر تلك الضوابط"… فبمثل هذه المعاني بشروطها يحصل اليقين بأنها مقاصد شرعية (1) ""أما الأوهام والتخيلات التي يخترعها الوهم أو قوة الخيال فليس بصالح أن تعد مقصدا شرعيا" (2) .

(1) المرجع السابق ص53.

(2) نفس المصدر ص54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت