وأما جمعه في عهد عثمان فلم يَعْدُ أن أخذ المصحف الذي جمعه أبو بكر، والذي كان عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين فنسخه سبع نسخ، وأرسلت إلى الأمصار وبعث مع كل مصحف مقرئا خاصا لكل مصر من الأمصار التي بعث إليها المصحف، وتوخى أن يكون مع كل مصحف قارئ توافق قراءته أهل ذلك المصر في الأكثر الأغلب، ومن هنا كانت قراءة كل أهل قطر تابعة لرسم مصحفهم (1) .
فهذا كان دور أبي بكر ودور عثمان، جمع للمتفرق ونسخ للمجموع، فليس هناك صحة على الإطلاق للدعوى المتهافتة التي ابتدعها أركون من مثل"المدونة النصية الناجزة والمغلقة"فالقرآن كان مدونا على عهده - صلى الله عليه وسلم -، وليس هناك نص رسمي وآخر غير رسمي، كما يوحي مصطلحه، والقرآن كان تاما مكتملا وليس عثمان هو الذي أنجزه وأغلقه، والنص كان ثابتا من أساسه وليس الصحابة هم الذين ثبتوه، والقرآن كان محفوظا في الصدور ولا يضره أن كانت المواد المكتوب عليها بدائية.
إذن فليس من الصعب معرفة محتوى القرآن كما يدعي أركون، ثم إنه لا يصح المقارنة بين ظروف جمع القرآن والظروف التي جمعت فيها التوراة والإنجيل لأن الأخيرْين لم يكتبا إلا بعد عهود متطاولة من وفاة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
وتأسيسا على ما سبق، فان كل عاقل منصف يقطع بأن ما بين دفتي المصحف هو كلام الله بالذات. وإنما لم يجمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهده - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان يترقب نزول الوحي عليه، وإمكان ناسخ لبعض أحكامه فكان معرضا للإضافة والنسخ (2) .
(1) انظر: الدكتور عبد الهادي الفضلي: القراءآت القرآنية تاريخ وتعريف ص22-23.
(2) انظر البرهان 1/235،261.