ولغة العرب قائمة أساسا على فهم المعنى المتبادر من اللفظ، والذي يحدد أن هذا المعنى متبادر أم لا هو عادة الناس في الخطاب وقرائن الأحوال. أما أن تفهم من النص ما نفاه صاحبه وعكس ما رمى إليه فهذه باطنية جديدة. تهدف إلى إبطال الظواهر ومن ثم إبطال التفاهم بين الناس، وتفسير النص القرآني كما يحلو لهم (1) .
-وإذا كان يمكن أن يفهم من النصوص القرآنية والحديثية العربية ما لا تجيزه أساليب العرب وعاداتهم في الخطاب، فلم يخاطبوننا بلغة عربية، وكيف يطلبون منا فهم تحليلاتهم ونظرياتهم؟ ولِمَ يخاطبوننا وهم يعلمون أننا يمكن أن نفهم من نصوصهم ما لم يخطر على بالهم بل ما نفوه ورفضوه؟ وهل يريدون إلا إرجاع الناس إلى لغة الحيوانات والرموز. مادامت اللغة لا تدل على مدلولاتها؟.
إن شخصا لا يسلم بالدلالات والمعاني التي يدل عليها نص واضح، والتي يفهمها منه الأغلبية المطلقة من الناس خاصتهم وعامتهم لا يمكن أن تجد معه وسيلة للحوار.
وكيف تحاوره وهو لا يسلم بظاهر الكلام ومعناه الذي يفهمه أي عاقل؟ وهل الناس حين يتخاطبون فيما بينهم - بأية لغة- يوغلون في الرمزية والمجاز حتى لا يفهمه إلا النادر من الناس؟ إذن لتعقدت الحياة ولا نشغل الناس بفك حجب الكلام وحل رموزه.
وعليه فإني أرى من العبث أن يجادل هؤلاء إذا ما رَدُّوا دلالة آية أو حديث على أمر واجب أو محرم. فمن يُقارَع بحجج الشرع وبراهين اللغة هو من يسلم باللغة أساسا، فذلك يمكن أن تقارعه إذا ما انفلت في الاستدلال، بأنه خرج عن ضوابط وقواعد التفسير أو التأويل الذي تسوغه لغة العرب التي نزل بها القرآن. وكيف يمكن أن تحتج عليهم بآية أو حديث والحال كذلك، فضلا عن أن تحتج عليهم بإجماع العلماء وسلف الأمة؟
(1) للتوسع في معرفة خصائص القرآن: انظر: السيد خليل: دراسات في القرآن ص17وما بعده، والحداثة والنص القرآني ص76.