وحقيقة ما حصل للصحابة هنا هو أنهم فهموا الآية على ظاهرها وعمومها وفسروها بما يقتضي هذا الظاهر العام، فظنوا أن المقصود هنا مطلق الظلم ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول لهم هذا الظاهر العام"الظلم"وبين أن هذا العموم غير مراد، بل أن المراد هو معنى خاص من الظلم وهو"الشرك"، وبعبارة الأصوليين صرف هذا اللفظ الظاهر عن عمومه إلى معنى آخر خاص ومرجوح وهو"الشرك"بدليل قوي وهو آية لقمان، فحقيقة التأويل هنا هي تخصيص العموم، ولا يعكر على هذا أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام بحد ذاته يعد دليلًا شرعيًا، فهو تأويل من جهة أنه صرف ظاهر إلى غير مدلوله بدليل، وهو تفسير من جهة أنه المعنى الصحيح المقصود من الآية.
ومن هذا الباب ما جاء من الأحاديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تأويل الرؤيا وتفسيرها وأذكر منها عل سبيل التمثيل لا الحصر ما رواه مسلم من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعافية في الآخرة وأن ديننا قد طاب" (1) ."
ومعنى تأويله - صلى الله عليه وسلم - هنا للرؤيا أي تفسيره لها، وهذا ما حصل في الدنيا وتحقق تأويل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهذه الرؤيا فقد طاب الإسلام وكمل واستقر ونال المسلمون الرفعة في الدنيا.
ومما جاء من الأحاديث في التأويل بمعناه الثاني وهو وقوع المخبر به أو المأمور به، ما رواه البخاري في تفسير سورة النصر عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله عليه الصلاة السلام يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن" (2) .
(1) الإمام مسلم أبو الحسين بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري: صحيح مسلم بشرح النووي 15/31.
(2) سبق تخريجه.